اعمدة ومقالات

محمد الأمين عبدالعزيز يكتب.. كيف لأصحاب المرتبات الدولارية الذين رحلو من هوامش الخرطوم إلى شارع المطار الوعي بمعاناة الجنيه؟!

محمد الأمين عبدالعزيز يكتب.. كيف لأصحاب المرتبات الدولارية الذين رحلو من هوامش الخرطوم إلى شارع المطار الوعي بمعاناة الجنيه؟!

-ما كان واقعاً علينا متابعته بعين القلق المرهق، والحرص على مسؤولية الوطن، وإستهجان القلم، لتطابق أفكاره حقيقة واقعنا، هو بالتأكيد خطوات حكومة حمدوك المتعثرة، وحاضنته السياسية الفاسدة…

-لا يفوت على أي صغير أو كبير من أبناء هذه البلاد مجريات الشارع المعيشي اليومي، وإلى أين آلت حكومة حمدوك بثورة ديسمبر المجيدة وآمال ثورات بلادنا جميعاً، كما هو واضح جلياً بالمثل أسباب هذه الأزمات المتفاقمة…
-أختصرت كثير من العلوم الإنسانية، وصف راهن بلادنا، بإنهيار وشلل الأمن القومي للبلاد، وإختلال موازين صنع القرار المركزي الطبيعية، والفشل في التخطيط ونمذجة المستقبل، ما يؤدي بجملته إلى إعاقة الإنتقال الديمقراطي للدولة، ويصبح “الفراغ السياسي” هو جدول أعمال “موظف الحكومة”، والإنتظار بصفوف الخبز هو واقع الشعب المعاش…
-يصبح السؤال، ما الذي ينتظره الشعب؟
-من حاضنة سياسية مفرغة من “التوحد” و “القومية”، ووصل بها تجذر الخلاف والصراعات السياسية حد العمى التام، عن ما يؤلم المواطن في الشارع، وعن الحلول التى قد تدفع بعجلة السياسة إلى إتخاذ قرار مركزي يحقق حوجة المجتمع ويعيد ميزان الإنتقال الديمقراطي إلى الإعتدال والتوافق الشعبي القومي لبناء الوطن.

-منذ إعلان الحرية والتغيير الأول، في يناير من العام 2019م، كان الهدف الذي وحّد مختلف القوى الإجتماعية والسياسية هو إسقاط نظام البشير البائد، من ثم وضع الإنتقال الديمقراطي السلمي في الأولوية العليا لصنع قرار ما في أروقة مؤسسات الحكومة، وما هدأ صوت هتافات الشوارع إلا عندما أتفق الشعب مع الحاضنة السياسية على ميزان إنتقالي مرتكز على الحفاظ على أمن مجتمعات البلاد، وإنماء الإقتصاد، وبناء نظام سياسي ديمقراطي مستدام.
-لكن يبدو واضحاً أن الحاضنة السياسية إرتأت طريقاً آخراً للإنتقال، أو ربما فشل الإنتقال لدى الحكومة وحاضنتها في الرقى إلى مرحلة هدف يومي يبدأ تنفيذه حالاً من ثم نعود للخلافات تحت نظام جديد، لأنها إنشغلت بتفتيت الوحدة السياسية التى أشعلها شعب السودان بعد ظلمة ثلاثين عاماً من النظام البائد، ها نحن نمددها بعامين آخرين من سقوط الإقتصاد الحاد، وهشاشة الأمن والأمان للكثيير من مواطني السودان، أصبحت دماء الشعب تهدرُ شرقاً وغرباً وجنوباً، في وسط إنشغال قادة الأمن والسياسة في حل مشكلة “قوائم ترشيحات” الحكومة الجديدة، بعد فشلهم في قوائم ترشيحات الولاة، وقوائم ترشيحات مجلس الوزراء الإنتقالي الأول، وما أخرجهم من ظلمتهم إلا بعض أصوات الحقيقة والهتاف التي تقاطع الإجتماعات.

-أدارت الحاضنة السياسية والحكومة، شؤون الشعب السوداني بصورة مختلة دوماً، وتقريباً يمكن الجزم بأن معظم قرارات الحكومة قوبلت من الشعب أما بالرفض الصريح، أو بفتنة باعثة مزيد من الإنشقاقات الإجتماعية.

-كان إنعدام الأمن صفة مصاحبة للكثير من ربوع بلادنا، خاصة في المناطق البعيدة من مركز الحاضنة السياسية، في هامش الشرق مثل الأحداث التي توالت في كل من كسلا وبورتسودان، وفي أعماق الغرب في كل من الجنينة ومستري وفوتابرنو، وغيرها العديد من التفلتات الأمنية المتفرقة في الزمان والمكان، ولعل أرض السودان الواسعة كانت دوماً تشعر بأن لهذه التفلتات أسباباً مختلفة، ولكن للأسف، يشع سبب واحد مخترقاً مساحة هذه البلاد العظيمة ليجبرنا على الإعتقاد به والجزم عليه، فيشع من:
-مستشفيات السودان ودور الرعاية الصحية المتدمرة، والمتهالكة حد التوقف، خاصة في الولايات البعيدة، مثل ولاية القضارف التي لا تحتوي إلا على مستشفى حكومي واحد وغير مكتمل الوحدات، وعلى مستوى العاصمة لا يوجد مستشفى واحد مكتمل في الحلقة العلاجية من الكشف والفحص والتشخيص والعلاج، وإنعدام الأدوية وشلل إستيرادها لفترات طويلة، كلها أدت إلى فشل تام للصحة في السودان.

-الإختلاف الإجتماعي في مناهج التعليم، ونسب النجاح المتدنية جداً للطلاب، خروج كم كبير من مواطني البلاد من أنظمة التعليم المدرسي والجامعي، وأخيراً ضعف علاقتي كل من وزارة التعليم العالى مع الجامعات ووزارة التربية والتعليم مع المدارس، وتلك الأولى التي تخلت عن صنع قرارها في إرجاع سلم سنوات التعليم الجامعي الى توافقه الطبيعي بين الجامعات لضمان الإتصال والتنسيق بينها، فإنعدمت المناشط المشتركة المطورة للجامعات وأصبح التعليم في السوداني ضبابي وذو تصنيف عالمي متدني جداً دون أن يلاحظه أحد!

-إنعدام الخدمات العامة، والغلاء المعيشي، التضخم، وشلل أسواق الإقتصاد، صعوبة الإستثمار، وتوسع الأسواق السوداء يوماً بعد يوم، وكأن أزمة الإقتصاد تتغذى على نزاعات الساسة، فكلما بعدو عن مواضع الإتفاق، ضاق بالشعب حال الحياة، وتجمد سوق الجملة، وإنهارت قيمة الجنيه السوداني، وكما هو معلوم لكل المجتمعات، فإن الإقتصاد دوماً ما يركز قرارات نموه وفقاً للشبكة الأكثر مركزية في تقييم التعامل الإقتصادي بين أصحاب الأعمال، وقد تركت الخلافات السياسية إقتصادنا يتمركز حول تغيرات السوق السوداء وخاصة للعملة وسوق الصادارات، ولعل كل مواطن يعي ذلك جيداً لما يلقاه في صفوف الأزمات، ولكن كيف لأصحاب المرتبات الدولارية الذين رحلو من هوامش العاصمة إلى شارع المطار الوعي بمعاناة الجنيه؟

-لعل إنهيار الأمن القومي ببلادنا لا يسعه كف الورق والمقالات الطويلة، ولا حتى التحليل الممنهج لأوجه المشكلة وتعقيداتها، إن ما يحتاجه تراب الوطن بشده هو مزيداً من الجهد نحو تأمين الإنسان السوداني في حياته ومعيشته وعقله وفكره وقراره، والعمل على بناء شيء من قوميتنا الضائعة وسط عطش مهووسي السلطة والكراسي، إن الحالة التي وصلت إليها البلاد تنذرنا جميعاً بالإسراع في طريق ملامسة الواقع، تغيير نظم الحكم والسياسة وصنع القرار، إسعاف الإقتصاد، تنفيذ سلام إجتماعي وسياسي واسع، وإسقاط جميع مناهج ونظم السياسات الحكومية الكيزانية والحمدوكية…
-لن أطيل الحديث، ولكي لا يكون خطابنا خارج عن ما تعلمناه من سادة المعرفة والعلوم، فإن أي حديث مسؤول لا يُلقى عليه قلوب الشعب بالاً إن لم يتضمن الواجب التائه في أمانينا…

-إن المرحلة الحالية توجب علينا التخلى عن المنهج وليس عن القادة، ولتعزيز المرحلة السامية التي وصلتها ثورتنا في مسامع أهل البلاد وشعوب العالم، فإننا يجب أن نتوجه بشيء من الإنتقال الكامل من كل مناهج البلاد السياسية الحالية والسابقة، نحن الآن في أشد الحوجة إلى نظام بث سياسيات أكثر إتصالاً بمجتمعاتنا، أكثر إقتراباً لمعيقات نمو الواقع المرجو، لعل دولتنا الحبيبة قد إكتفت من تغيير ساداتها كل عقد أو ثلاثة عقود، ولما تجذرت جل مشاكلنا في الأمن، أوجبنا حس التغيير إلى الإمتثال والإلتزام بخطاب وخطى السلام المستدام في عهد ما بعد الحرية والتغيير لعهد السلام والعدالة، وأما ما تبقى من آثار لمشكلة الأمن القومي على الإقتصاد والإجتماع، فإن أوجب واجباتنا للتغيير المتوافق مع حاجة شعوبنا هو توجه صناعة السياسات نحو حل تعقيدات الإقتصاد ودراستها والإتجاه نحو إقتصاديات النمو المفتوح المعتمد على المعرفة فقط في العمل، إن ما وفرته العولمة الحديثة لكل البشرية هو مصادر المعرفة الغير منتهية، ولو أن نظم القرار في كل مؤسسة من مؤسسات البلاد إتصلت بمنظومة المعرفة البشرية فلن يعيق نمو مجتمعات شيئاً أبداً…

-نحن في حاجة إلى ثورة إنتاج وصناعة، أولا للأفكار والمعارف السودانية، والتي تؤهل أنظمتنا الحكومية والسياسية نحو إيجاد المزيد من حلول المعرفة للسلام والمعيشة والعدالة، ولحسن إكرام الإنسان السوداني في أرضه وفي العالم. أوجب واجباتنا هو إسقاط كل منهج أو قانون أو لائحة أو مؤشر أو بروتوكول أو وثيقة إدارية في مكتب رئيس الوزراء ومكاتب مستشاريه ووزرائه وإستبدالها بما هو أكثر واقعية وملامسة لقضايا الشارع والشعوب، يجب على الشعب أن يكتب نهجه الجديد إمتثالاً لما تناديه الثورة، مستعيناً بالمعرفة، والخبرة، وكل ما ملكه شعبنا من حلول وأقصاه الساسة لعجزهم…

-هذا هو ما تنادي به أزماتنا، ولا نتمنى أن يسقط أحد في تغييرنا هذا، ولكن كل من يحاول الإستمرار في المناهج القديمة في شتى قرارات البلاد، فهو ساقط بأيدينا لا محالة…
والوقت للعمل….

-وللأقلام بحور ستُكتب…
-عاش السودان وطن يسع الجميع..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى