اعمدة ومقالات

كتب / عبدالله ابوعلامة.. أيها الناس : كفوا عن قرع طبول الحرب 

@مشاهدات من الرقراق @
كتب / عبدالله ابوعلامة.. أيها الناس: كفوا عن قرع طبول الحرب 

في تسعينات القرن الميلادي الماضي ، وابان اشتداد المعارك الضارية ، بين العراق وايران ، شعرت المملكة العربية السعودية ، لتهديد ايران لأجوائها وبحارها ، بحسبان انها تساند العراق ، فطلبت من الولايات المتحدة الأميركية ، أن تمدها بمنظومة صواريخ ، تحمي أجوائها وبحارها ، ولكن اميركا تلكأت في الاستجابة ، التي تراه السعودية عاجلا ، فاتجهت الأخيرة ، في سرية تامة ، الى جمهورية الصين الشعبية ، وعقدت معها صفقة ، لشراء منظومة صواريخ ( استنغر ) المتطورة ، فلما انكشف الأمر لكل ذي عينين ، في عالم لم تعد الأسرار ، تبقى فيه مخبأة طويلا ، اعترى الحكومة الأميركية ، غضب هائل ، واعتبرت الأمر سلبا لحقوقها ، في سوق هي تقليديا حكر عليها ، اضافة الى حساسية التعامل مع الصين ، أحد أعدائها السياسيين ! فطلبت اميركا من سفيرها في الرياص ، أمرين : الاحتجاج بأشد لهجة على الفقة ، ثم ألغائها فورا . ولما نقل السفير الاميركي الأمرين ، الى الأمير سلطان بن عبد العزيز ، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ، ووزير الدفاع ، أوضح له ثلاثة أمور : الأول ان السعودية مصممة على حماية اراضيها بحرا وجوا ، والثاني أن اميركأ تباطأت في الاستجابة لطلباتها العاجلة ، والثالث أنها وقعت عقد الشراء مع الصين وشرعت في تسلم المنظومة الصاروخية . ويبدو أن السفير توقح مع الامير ، فنقل الأخير الأمر الى الملك فهد ، والذي وجه وزارة الخارجية ، بالطلب من اميركا سحب سفيرها في الرياض ، ولما تعلمه اميركا من جدية الطلب ، سحبت اميركا — كارهة جدا — سفيرها ! استدعيت من الذاكرة هذه الحادثة ، وأنا أتابع الضجة التي أثارتها تصريحات ، السفير الأثيوبي بالخرطوم ، والتي ادعى فيها أن الجيش السوداني ، تعدى على أراض اثيوبية ! وذلك بعد التنوير الذي قامت به وزارة الخارجية ، للسفراء المعتمدين بالخرطوم ، حول التوترات الأخيرة بشرق البلاد . وهاج الشارع السوداني وماج ، ودعا اناس الى طرد السفير — قليل الذوق — ! ولكن رد الفعل الرسمي جاء متعقلا جدا ، اذ أكد على ان اثيوبيا دولة جارة ، وأنه لا فائدة من الصراع معها ، وحذر البيان من المساس بأفراد الجالية الاثيوبية بالسودان . وقد رأى المراقبون في ذلك نضجا يحمد للحكومة السودانية ، ليس فيه هشاشة ولا تهمة ضعف ، سيما ان القيادة العسكرية العليا ، أكدت في — الميدان — ان الجيش قد أعاد الانتشار داخل الحدود السودانية ، وأن هذه الاراضي التي انتشر فيها ، أرضنا ، فاما ان نعيش فوقها ، او نموت دونها ، وندفن تحتها . ولم يقصر المسؤلون في اثيوبيا ، سياسيين وعسكريين ، اذ أعلنوا انهم لا يعترفون باتفاقية 1902 ، التي وقعها الحاكم العام البريطاني ، مع امبراطور الحبشة — انذاك — منليك ، والتي اعترف خلالها بتبعية الفشقة الكبرى ، والفشقة الصغرى ، للسودان ، واعطاء اقليم بني شنقول السوداني للحبشة ، على سبيل الاعارة ! على ألا تقيم الحبشة فيه سدود ولا موانع ، تحبس الماء من السودان . وهو المكان الذي يقوم عليه سد النهضة ، المثير للجدل الان ! وقد قام ضابط المساحة البريطاني ، المستر غرين ، بوضع علامات الحدود ، على أساس هذه الاتفاقية ، وقد قامت جماعات الشفتة الاثيوبية ، في اوقات متفاوتة باقتلاع بعض علامات الحدود هذه ، بيد أن الخرائط موجودة ، في بريطانيا والسودان واثيوبيا . ومن كل ذلك تتأكد حقيقتان : الأولى ان اراضي الفشقة الكبرى ، والفشقة الصغرى ، أراض سودانية ، لا شك فيها ولا مساومة . والثانية ان اثيوبيا دولة جارة ، تربطها بالسودان وشائج القربى ، والجوار ، والمصالح المشتركة ، وكل هذا وذاك وتلك ، تقتضي التروي ، وضبط النفس ، والجلوس الى طاولة مباحثات الحدود ، والاستعانة بخبراء الاتحاد الافريقي ، او حتى الخبراء الدوليين . وليتذكر العقلاء هنا وهناك ، أننا دولتان فقيرتان ، ما تزالان من دول العالم الثالث ، ننشد التنمية والتطور ، للحاق بركب الشعوب التي سبقتنا على مضمار الحضارة ، ولا طاقة لنا بكلفة الحرب ، التي ان وقعت — لا قدر الله — فستأكل الاخضر واليابس ، في البلدين جميعا ، فالحرب مشتقة المعنى من الحرب ( بفتح الحاء والراء ) ، وهو الضيق والضنك والعذاب ! فبالله عليكم ، أيها الناس : كفوا عن قرع طبول الحرب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى