اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب : سقط النظام ..ولم يسقط المشروع *

مشاهدات من الرقراق 

في قبيلة اليسار السوداني شخصان ، يواظبان على الكتابة ، في الشأن ( الاسلامي السوداني ) ، في دأب يحسدان عليه ، ولا حسد الا في اثنتين ، كما جاء في الأثر : رجل اتاه الله مالا ، فسلطه على هلكته ، ورجل اتاه الله علما ، فهو لا يني ينشره . أحد الرجلين ، استاذ جامعي قدموس — أي قديم — ، وهو ينحو منحى الكتاب الغربيين ، في اجتراح الموضوعية ، التي توصل الرسالة في غير ما تعب ، وتخدم الاهداف المستترة ، وان اقتضى الأمر ( دس السم في الدسم ! ) ، وهو غير ملوم في هذا ، لأنه يخدم اهدافه بمهارة ! ويقتضي الأمر أن يتسلح قارئه بالوعي اللازم، لكشف الالاعيب الخفية ! وثاني الرجلين ، يقوم على رأس مركز للدراسات ، مقره القاهرة ، ومركزه متهم بأنه من صنع المخابرات المصرية ! في سعيها الدءووب ، لمتابعة بل ملاحقة ( الحالة السودانية ) ، فاذا كان الأمر كذلك ، فلا يساورني شك ، في أن هذه المخابرات ، قد اكتشفت مبكرا ، خفة وزن دراسات هذا المركز ، ولكن لشئ يعلمه الله ، أبقت عليه ! وعلى الضد من الرجل اليساري الأول ، الذي يترفع ، بل يتعفف جدا ، في كتاباته ، ينحو هذا الرجل اليساري الثاني ، منحى غير متوازن ، في كتاباته ، من حيث القاء التهم جزافا ، وتحريف الكلم عن مواضعه ، فهو — غالبا — صاحب منحوتة ( الاسلامويين ) ! وهو نسب لا تسيغه قواعد نحو ولا صرف اللغة ! اذ النسب الى اسلام : اسلامي ، فاذا عنى ان ينسبهم الى تحريف التمسك بالاسلام ، او سوء استغلال الاسلام لاغراض منحرفة ، فان الوصف الذي يسعفه ، في هذه الحالة ، يمكن ان يكون : المتأسلمين ، مثلا ! وهذا الضرب من التلاعب باللغة ، تجاوزا لقواعد نحوها وصرفها ، مزر جدا برجل الفكر ، لأنه في المحصلة النهائية ، يخفف وزن كتابته ، اذ اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة ! ورصانة الفكر منبثقة — لا مشاحة — من فصاحة اللغة وسلاستها ، بل سلامتها ، لأن سلامة الحامل ، تضمن سلامة المحمول . وقد كتب ، ثاني الرجلين هذا ، مقالا تحت عنوان : وداع الحركة الاسلاموية…مشروع الفساد والانحلال …شئ من هذا — اللا طائل من ورائه ! ويستهل مقاله العتيد ، بسؤال ، ينعته بأنه ( هام ) ، وهو يقصد أنه ( مهم ) ! يقول في سؤاله المهم : هل كان سقوط المشروع الحضاري الاسلاموي، وفضح افلاس الحركة الاسلاموية ، امرا حتميا ، لا يمكن تجنبه ؟ ويجيب نفسه، على سؤاله المهم ، المركب هذا : نعم بالتأكيد . ويتمادى في الاجابة ، مبررا جزمه الجازم هذا : وذلك بحكم النشأة ، ومسار التطور ، والقوى الاجتماعية المكونة لها ، والمنفذة للمشروع ! انتهى كلامه . وأول ما يجابه الحتمية الماركسية ، التي ساق من خلالها اجابته على سؤاله المهم ، سؤال ( مهم ) مقابل : وهل كان سقوط المشروع الديكتاتوري الدموي الشيوعي ، وافلاس فكر الحركة الماركسية ، امرا حتميا ، لا يمكن تجنبه ؟ فاذا صح طرح السؤال المضاد ، حذوك القذة بالقذة ، فيمكن ان تكون الاجابة ، ايضا حذوك القذة بالقذة : نعم بالتأكيد ، وذلك بحكم النشأة ، ومسار التطور ، والقوى الاجتماعية المكونة لها ، والمنفذة للمشروع ! وبناء على ذلك ، يكون سقوط الاتحاد السوفيتي ( العظيم ) ، وكل المنظومة الاشتراكية : سقوطا للفكرة ، وسقوطا للمشروع ، وسقوطا للدولة ، بشهادة الواقع المعيش ، وليس المعاش ، كما يقال ، والذي لا يمكن مغالطته ، وغفر الله للخاتم عدلان ، الذي أرقد ماركس على جنبه ، في متحف التاريخ ، ولم يوقفه على رأسه ، كما اقترح هيغل ! في حين أن ذات الواقع المعيش ، يؤكد ان سقوط نظام الانقاذ ، لم يكن سقوطا للفكرة ، ولا سقوطا للمشروع ، ولا سقوطا للدولة ! كيف ؟ نعم كيف ؟ والاجابة يسيرة لاتعقيد فيها ولا التواء ، ان سقوط الانقاذ كان سقوط نظام فقط ، وليس سقوط فكرة ولا مشروع ولا دولة ، لأن الفكرة لم تكن انقاذية ، وانما اسلامية ، ولأن المشروع لم يكن انقاذيا ، وانما كان اسلاميا ، ولأن الدولة لم تكن انقاذية ، وانما اسلامية ! والشاهد الحي الذي يساق هنا ، على صحة ما دعوناه ، ولم ندعه ، يبرز للعيان في ثلاثة نماذج ، متباعدة جغرافيا ، ولكن ينتظمها سلك واحد ، هو ما يدعوه المفكر الجزائري المسلم ، مالك بن نبي : محور طنجة — جاكارتا ، فهناك قريبا من اقصى نقطة ، في المغرب العربي ، قريبا من طنجة ، تبرز حركة النهضة التونسية ، والتي تتماهى مع حركة مجتمعها ، الذي غشته العلمانية البورقيبية ، قرابة القرن من الزمان ، وحاولت تضليله عن ثوابته وجذوره ، بل طمس هويته ، فاذا بالحركة الفتية النشطة ، بلا معاضلة لمجتمعها ، ولا تشاكس معه ، تلين له في الجواب ، وتسقط بالحوار الحسن ، أخبث مشروع علماني حديث ، مشروع تلميذ بورقيبة النجيب ، باجي قائد السبسي ، هذا الرجل التسعيني الأشيب ، الذي لا يحسن يقرأ اية من القران الكريم ، قدام ملأ من الناس ، وهو في منصب رئيس الجمهورية ، يتدثر بالميكافيلية في دغدغة غريزة المساواة ، عند النساء الفارغات ، وساقطي المروءة من الرجال ، باقتراح الغاء نظام الميراث الاسلامي ، واستبداله بنظام توريث علماني ، يساوي بين المرأة والرجل في الميراث ، فاذا بالشعب التونسي المسلم ، رجالا ونساء ، يعطي مشروع السيسي العلماني في التوريث ، صوتا واحد ، وحيدا ، فريدا ، ويعطي كل ما تبقى من الاصوات ، لمشروع النهضة الحضاري الاسلامي ! وفي بلاد الخلافة الاسلامية المغدورة ، في تركيا كمال اتتاتورك ، أعنف وأقسى علمانية ، شهدتها بلاد الاسلام ، في العصر الحديث ، يبرز مشروع الحل الاسلامي ، ناضجا طازجا ، في حزب العدالة والتنمية ، يقود الدولة التركية ، بالثقة التي اولته اياها الجماهير ، عبر صناديق الاقتراع ، لا بانقلاب عسكري ، يتعامل مع مجتمعه ، بمرونة لا مشادة فيها ، عاملا بالحكمة الراشدة : لن يشاد الدين أحد الا غلبه ، يتغاضى عن الربا ، في المعاملات البنكية ، لأنه نظام شيطاني عالمي ، ولكنه بالعمل والانتاج والفكر ، يطور الناتج المحلي ، حتى يضع الاقتصاد التركي ، في خانة سادس اقتصاد في العالم ! يتقاضى عن الحانات المفتوحة اناء الليل واطراف النهار ، وعن النساء الكاسيات العاريات ، ولكنه يمنح مشروع الحل الاسلامي ، مليون طفل ، ذكرانا واناثا ، يحفظون القران المجود ، بالقراءات السبع ، وان شئت العشر ! اجيال الغد الذي ستمحو الربا والسكر والعري ! وهناك في اقصى الشرق ، عند جاكارتا ، يبرز مشروع الحل الاسلامي ، ماليزي اللون والطعم والرائحة ، في بلاد تستأثر فيها أقلية بوذية صينية ، بالثروة ، دون الاكثرية الفقيرة المسلمة ، ولم يلجأ مشروع الحل الاسلامي الماليزي ، بقيادة مهاتير محمد ، لاثارة الحقد الطبقي ، ولا للمصادرة والتأميم ، وانما طلب في احسان ، من الأقلية الثرية أن تبذل اموالها ، للوطن في شكل مشاريع تنموية اقتصادية مربحة ، وطلب من الاكثرية الفقيرة ، ان تشمر عن سواعد العمل المنتج ، لم يقنن للسرقة الحدية ، وانما ملأ البطون ، بالطعام الحلال ، الذي مولته الاقلية الثرية ، وانتجته سواعد الاغلبية الفقيرة ، فعصم الايدي من القطع الحدي ، ووفر من الانتاج المدرسة التي تثقف ، والمعهد المهني الذي يؤهل ويدرب ، وارتقى بماليزيا اقتصاديا واجتماعيا ، الى الصفوف الأولى من النمور الاسيوية . وهكذا تنبت في ربوع الدنيا ، أزاهير المشروع الحضاري الاسلامي ، فكرة ودولة ، بينما تنكسف شموس المشروع العلماني الالحادي ، بل تموت ، كما بشر ازوالد اشبنجلر في كتابه : سقوط الغرب ، ولو كنت مثل الرجل اليساري الثاني ، لا أحترم الفكر ، ولا اقدس الكلمة ، لقلت : تنكسف شموس المشروع العلمانوي البائس او البئيس !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى