اعمدة ومقالات

عادل عبدالعاطي يكتب:ما هذا العبث في كتاب مدرسي ؟!

(كتاب القراي للتاريخ للصف السادس يزور التاريخ السوداني وينضح بالعنصرية والمركزية العرقية)

وقعت في يدي اوراق عديدة لكتاب التاريخ للصف السادس المثير للجدل، والذي ارتكبت فيه اخطاء فظيعة علمية وفنية ، كما ان كل منهجه مليء بالتوجهات العرقية والعنصرية التي يزعم القراي او الكتاب انه يحاربها.

وبمراجعة سريعة لصفحتين من صفحات الكتاب ارفقهما هنا يتضح هذا العبث والتزوير والعنصرية، مثلا يقول الكتاب أن في السودان 50 مجموعة اثنية تتحدث 500 لغة . يعني لو صدقنا جدلا أن السودان فيه 50 مجموعة اثنية ، هذا يعني أن كل مجموعة اثنية تتحدث 10 لغات ! هذا فتح عظيم والله إن يكون كل سوداني يتحدث 10 لغات. طبعا يستدرك الكتاب ان في السودان 500 قبيلة وهذا يعني ان كل اثنية مقسمة الى 10 قبائل . هذه تخريفات ما انزل الله بها من سلطان ولا علاقة لها بالتاريخ ولا الانثبيولوجيا ولا الواقع المعاش.

ووفقا للكتاب في احدى الصفحات المرفقة ادناه فإن اهل السودان (بعد كوش) هم خليط من الاثيوبيين والمصريين وقبائل من الجنوب ! من اين اتى بهذه المعلومة وهل المكون النوبي والمكون البجاوي والمكون النوباوي والمكون الفورواي من شعوب السودان كانت موجودة وقتها ام ظهرت فجأة كما يقول عن ظهور البجة ؟! ومن اين ظهر البجا وكيف ؟! وهل الهدندوة ليسوا فرعا من البجا حتى يقول في موضع آخر (قبائل الهدندوة والبجة) ؟!

ويزعم الكتاب ان مملكة كوش كانت تتكون من عدد من الممالك! كيف تضم مملكة كوش عددا من الممالك ؟ يمكن ان تضم المملكة عددا من التكوينات الادارية او القبلية الاصغر ولكنها لا تكون ممالك . في افريقيا هناك كثير من الممالك الفيدرالية حيث للامراء المحليين سلطات تمنح لهم من قبل الملك المركزي او السلطان؛ ولكن ليس هناك مملكة تضم عدد من الممالك داخلها.

ويقول الكتاب أن القبائل في جنوب السودان قبل الانفصال هي جزء منا . ماذا يقصد بذلك ومن هم نحن في تعبير (منا) ؟! هل يقصد مفهوم السودان الكبير أو السودان الثقافي ام يقصد أن أعضاء هولاء القبائل بالسودان الشمالي هم جزء من المجتمع السوداني الحالي ؟! عموما رغم ان المعلومة صحيحة لكن الصياغة ركيكة وهي تجلب سوء الفهم اكثر مما تشرح.

وزعم الكتاب أن الممالك المسيحية عاشت في سلام مع ساكني السودان الوثنيين . يا سلام! . وهل كانت هذه الممالك المسيحية بدون سكان ، وهل سكانها كانوا يسكنون في القمر ام على المريخ ؟! بعدين هل حطمت مملكة الفونج كل الممالك المسيحية(كما يزعم الكتاب) ام قامت فقط على أنقاض مملكة علوة بعد تفسخها وانهيارها ؟! وما دور مملكة الفونج مثلا في اضمحلال المقرة وانهيار نوباتيا ؟!

كما ينضح الكتاب بالمركزية العرقية والعنصرية المستترة، فهو مثلا في حديثه عن التنوع في السودان يذكر (فيما هو مرفق) اسم 7 قبائل “عربية” كما يصفها، بينما يذكر من الشرق (البجا والهدندوة) فقط ، وهما كيان واحد او قل ان الهدندوة فرع من البجة بينما بيذكر اسم 3 “قبائل” فقط من دارفورـ ويقول ان جبال النوبة تضم قبائل كثيرة ثم لا يذكرها (الظاهر ان المؤلفون لا يعرفونها او يتجاهلونها). هذه لهوجة وعبث فانت اما ان تذكر نماذجا تفصيلية لشعوب السودان ومكوناته، او لا تذكر شيئا.

ويغالط الكتاب منهجه حين يزعم وجود قبائل عربية (لا افريقية في السودان) ، فالثابت ان كل من سكن افريقيا هو افريقي كما ان كل السودانيين افارقة بالميلاد والجغرافيا والتاريخ قبل الاثنية ، كما ان الحديث عن القبائل النيلية وتحضرها وقبائل الرحل وعدم تحضرها مليء بالاستعلاء المديني والعنصرية المركزية. اذن الكتاب يكرس للمركزية العرقية التي يدعي انه يحاربها.

من الجدير بالاشارة ان الكتاب يستخدم وصف قبيلة للاشارة للشعوب السودانية. الثابت ان تسمية الشعوب الافريقية قبائلا هو نهج مركزي اوروبي او مركزي عروبي اسلامي ، في افريقيا شعوب كما في كل العالم. كيف يعد شعب البجا او شعب جبال النوبة او شعب الزغاوة الخ قبيلة ويعد سكان استونيا او سان مارينو او اندورا شعبا ؟ مصطلح القبيلة عفى عليه الدهر وهو مصطلح مركزي اوروبي في التعامل مع شعوب افريقيا والسودان من بينها.

كما شهد الكتاب ظاهرة للتزوير الفني الفج وذلك بقطعه لوحة مايكل انجلو الاسطورية (خلق آدم) في تشويه فظيع لذلك العمل الفني لا يجب ان يكون في كتاب مدرسي (على المدرسة ان تعلم الطلبة الامانة الادبية) . اما ما لحق بهذا الامر من تبريرات وتصريحات فجة للقراي تتهم اللوحة بأنها (خليعة وتسيء للذات الالهية) فإنما هو تخلف وردة حضارية تضع القراي في نفس الموضع مع متخلفي السلفية واوباشهم.

اخيرا هناك ركاكة ظاهرة وتكرار بليد في الكثير من العبارات في هاتين الصفحتين، كما ان باقي الكتاب – او ما اطلعت عليه من صفحاته- ممتليء بها .

عموما فإن هذا الكتاب ومحتوياته لا ترقى لأن تكون بحثا لتلميذ في الصف السادس، ناهيك عن ان تكون مقررا لطلبة في الصف السادس الذي غالبا ما يكون في ظروف السودان اخر صف لبعض التلاميذ يلجون بعده سوق العمل ويودعون المدرسة بسبب الحاجة وهذا ما لا يهتم به كفوات قحت في معاركهم الدونكيشوتية الفاشلة.

عادل عبد العاطي
3 يناير 2021

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى