ثقافة وأدب

عبدالله ابوعلامة يكتب : * نافذة على تاريخ الصراع بين السودان واثيوبيا *

بلغت الدولة السنارية ، أوج قوتها ، في عهد الملك بادي أبي شلوخ ، وتبدت هذه القوة ، في التصدي الحاسم ، للغزوة التي قادها الملك اياسو ، ملك الحبشة ، على رأس جيش ، تفاوتت تقديراته ، بين الثلاثين الفا ، والمائة ألف ، من المقاتلين . ولم يحدثنا كاتب الشونة ، عن الاسباب ، او الدوافع الكامنة ، من وراء هذا الغزو الجائح . ولكن الاستقراء ، من خلال قراءة تاريخ تلك الفترة ، يخرج بنا الى الحقيقة ، او ما يقرب جدا منها . فالجوار الجغرافي ، والتداخل السكاني ، عاملان مهمان ، في ولادة الاحتكاك ، يضاف الى ذلك ، شهوات واطماع الحكام ( الالهة ) ، من الاباطرة والملوك ، في التوسع في الرقعة الجغرافية ، وامتلاك الثروات ، ورقاب العباد ، اضافة الى روح الحروب الصليبية ، والتي لم تكن الحبشة بمنجاة منها ، تظل واحدة من اسباب الصراع والاحتراب ، بين السودان والحبشة ! ونحن اذا مددنا البصر ، الى العهد التركي في السودان ، والذي اعقب الحكم السناري ، نجد كاتب الشونة ، قد ذكر في حوادث سنة 1253 هجرية ، 1837/ 1838 ميلادية : ” وفيها نزلت الحبشة ، الى نواحي القلابات ، في 19 من شهر محرم الحرام ، فأخذ احمد كاشف ، حاكم تلك الجهة ، العساكر ، وقدم اليهم ، بمحل يقال له ولد كلنبو ، فتلقتهم المكادي — يعني الاحباش — ، كالجراد المنتشر ، كناية عن كثرتهم ، ورئيسهم — لا ادري قائدهم ام ملكهم — يسمى كنفو ، فصبرت لهم عساكر الدولة — التركية — ، ونشطت عزائمهم عند الزحام ، مع انهم في قلة ، فأحاط بهم المكادي ، وأخذوهم بين اسير وقتيل ، وسينصر الله الاسلام ، على القوم اللئام ) . فهذا عزو حبشي ، بقيادة المدعو كنفو ، لا تعرف دواعيه ، ولكن امعن النظر في قول كاتب الشونة : وسينصر الله الاسلام على القوم اللئام ! فان له دلالة ، وفيه مغزى ! ثم عاد كاتب الشونة ، في مخطوطته العتيدة يقول : وفي 11 شعبان من سنة 1253 ، نزل المظفر المعان ، حكمدار بلاد السودان ، خورشيد باشا ، نصره الله ، بالقلابات ، وغزت عساكره المنصورة ، الى نحو دار الاحابيش ، فقتلوا واسروا من التكارير وغيرهم ، وقذف الله في قلوبهم ، هيبة الاسلام والباشا ! واقام هو هناك ، في عز ، وكاتبهم وراسلهم ، وهو منتظر قدومهم من الحبشة ، فلم يأت منهم احد ، وأقام مدة أربعة شهور ، ثم رجع من القلابات ، سالما مؤيدا بالنصر والعز ) . فههنا ذكر لواقعتين : احداهما اعتداء وعدوان على القلابات من الاحباش ، والثانية رد من الحكومة السودانية — القائمة يومذاك — على العدوان ، من القلابات ، التي وقع عليها العدوان ! وفي عهد الدولة المهدية ، التي جاءت بعد العهد التركي ، وفي ايام الخليفة الشهيد ، عبدالله بن السيد محمد تورشين ، خليفة الامام المهدي ، عليهما رحمة الله ورضوانه ، وقع اعتداء كبير من الاحباش ، تصدت له الدولة المهدية ، بجيش عرمرم ، بقيادة البطل الزاكي طمل ، وردت العدوان خاسئا حسيرا . فهاتان واقعتان حدثتا بعد هذا الغزو الحبشي ، تمهدان لفهم الدوافع الكامنة ، وراء هذه الغزوة الخطيرة . وقد فهم الملك بادي ، بل ادرك تمام الادراك ، دوافع ومغازي هذا العدوان ، فأخذ للأمر عدته من جميع النواحي : * اعد جيشا سناريا عظيما ، ووضع في قيادته اكفأ القواد السناريين ، الامين ود مسمار ، وعضده بالمقاديم الشجعان . * استنفر الشيخ خميس بن جنقل ، من الفور ، ومقاتليه الشجعان ، سندا وعضدا لجيش الدولة السنارية . * قاد التعبئة الداخلية بنفسه ، فأرسل الى (المراتب ) البعيدين ، ليجتهدوا في الدعاء بالنصر لعساكر الدولة ، فأعطى المعركة بعدها الروحي ، بعد اعداد القوة المادية ، ونذر الملك النذور ، ونذر معه اهل سنار ، ان هو نصرهم على البغاة المعتدين ، وبذلك احكم التعبئة في العاصمة ، المستهدفة بالغزو ، فتعبأت الجبهة الداخلية ، كلها في العاصمة والأقاليم ، وجأر المسلمون بالدعاء ، في كل مساجد المملكة ، من السافل للصعيد ، لله الواحد القهار ، على معتد ، تسور حائطهم ، وجاءهم في عقر دارهم ! وبذلك تهيأت كل الظروف ، لادارة معركة دفاعية ناجحة ، فعبرت الجيوش ، الى الضفة الشرقية ، من النيل الأزرق ، والتحمت مع مقاتلي الشيخ خميس بن جنقل ، ورابطوا في مكانهم ، لا يريمون ، وفق خطة محكمة ، ذات شقين : الشق الاول ، راحة المقاتلين من السفر الشاق ، وضمان الامدادات من العاصمة ، والتي هي من ورائهم على مرمى حجر ، والشق الثاني ارهاق جيش الاحباش ، بالسفر المضني الطويل ، واطالة خطوط امداداته ! ولذلك لما طلع عليهم جيش الاحباش ، بادروه بهجوم كاسح جائح ، وانزل الله سكينته على عباده الموحدين ، فصبروا صبر الكرام ، واستولى الدهش والفزع ، على قلوب الاحباش ، فانهزموا وولوا الدبر ، وتبعهم الجنود السناريون يقتلون ويأسرون ، وكان من ضمن القتلى الملك المتغطرس اياسو . وعمت الفرحة العاصمة سنار ، وانطلقت الى جميع انحاء المملكة الشاسعة ، بل طارت اخبارها السارة الى عاصمة الخلافة الاستانة . ويصف كاتب الشونة ذلك فيقول : وخرج الملك بادي ، واهل سنار ، ووفوا نذورهم ، فعملوا الموالد ، وذبحوا الذبائح ، وأقاموا الولائم ، ونشروا الحرير الاخضر ، وزينوا المساجد والاسواق ، سبعة أيام . وسمع سلطان الروم — الأتراك — بذلك ، ففرح بنصرة الاسلام والمسلمين . وكانت تلك الواقعة ، في شهر صفر الخير سنة 1157 للهجرة المباركة ، الموافق مارس — ابريل سنة 1744 ميلادية . )…. . من مخطوطة كاتب الشونة — بتصرف — .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى