اعمدة ومقالات

كتب/ عبدالله ابوعلامة : فكأنما أحيا الناس جميعا

 

للسيد فرانسيس دينق ، رواية سودانية ، جميلة جدا ، كتبها باللغة الانكايزية ، وترجمت للغة العربية ، بعنوان : طائر الشؤم . وللذين لا يعرفون فرانسيس دينق ، هو احد ابرع المثقفين الجنوبيين ، وقد شغل منصب وزير الثقافة والاعلام ، ابان العهد المايوي . وروايته ” طائر الشؤم ” ، تناقش جدلية التمازج العرقي بين الشماليين والجنوبيين ، وذلك قبل الانفصال طبعا . وليس يجدي ان احاول تلخيص الرواية ، لأنني بذلك اقتلها حتما ، ولذا فلن افعل ، وادعو القراء الى الجد في الحصول عليها ، بالعربية او الانجليزية ، وكلي ثقة في أنهم سيشكرونني بعد التمتع بقراءتها . والذي استدعى هذه الرواية : طائر الشؤم ، الى ذهني الان ، الضجة التي أحدثها زواج الفتاة احسان عبدالله ، من فتى جنوبي ، لا أعرف اسمه ! وقد تقدم الفتى الجنوبي ، لأسرة الفتاة احسان ، طالبا يدها ، فردوا طلبه وتأبوا ! فما كان من الفتاة الا أن لجأت الى المحكمة الشرعية ، طالبة تحقيق رغبتها في الزواج ممن اختارت ، ورفضه أهلها ، وقد زوجتها المحكمة ، واعطتها وثيقة زواج تثبت ذلك . وقد قام اهلها بالتبليغ بأنها قد اختطفت ، فما كان منها الا أن ظهرت في الوسائط الاجتماعية ، تعرض بطاقتها الشخصية ، مفصحة عن نفسها ، ونافية ان تكون قد اختطفت ، ومعلنة عن أنها قد لجأت الى المحكمة الشرعية ، وتزوجت على مذهب ( أبو حنفي ) ، تعني مذهب أبي حنيفة النعمان ، رحمه الله ، الذي يجيز الزواج بدون حضور الولي . وقد طرحت مسألة الفتاة احسان عبدالله والفتى الجنوبي ، القضية التي حاولت رواية طائر الشؤم معالجتها ! وهذه القضية لها ابعاد كثيرة : اجتماعية وثقافية وسياسية ، ويجب تناولها بكل العقلانية اللازمة ، بعيدا عن اللهوجة والخفة والسفه ! وعلى ضوء الوقائع الاتية : 1/ ظهور هذه الفتاة ، على وسائط التواصل الاجتماعي ، بالصورة والصوت ، في ثبات وشجاعة ، لنفي خبر اختطافها ، عارضة على المشاهدين بطاقتها في ثقة ورصانة ، وهذا كله يدل على نضج هذه الفتاة ، ورجاحة عقلها ، وكمال شجاعتها . 2/ لم تلجأ هذه الفتاة الى الاختفاء ، والعبش في الحرام ، مع فتاها الذي اقتنعت به ، ولا حتى اللجوء لما يسمى ( الزواج العرفي ) ! مما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ، أنها ” ابنة ناس ” ، وتربت تربية صالحة ، في كنف أسرة كريمة . 3/ لجأت هذه الفتاة الناضجة ، الى القاضي الشرعي ، وهو الجهة التي تقوم مقام الولي ، وقدمت حجة ارتضاها القاضي ، واجرى لها عقد القران الشرعي ، ومنحها بناء على ذلك قسيمة زواج صحيحة ، عرضتها على الملأ في ثقة تامة . وبعيدا عن كل ما أثارته ، هذه القضية الاجتماعية ، من رياح وزوابع ، نعود في هدوء وعقلانية ، الى ما امرنا بالرجوع اليه : الله ، والرسول ، وأولي الامر ، كي يعلمه الذين يستنبطونه ، ففي السنة النبوية المطهرة ، قضية الفتاة التي زوجها ابوها ، لابن عمها وهي كارهة، فلجأت الى حجرة عائشة أم المؤمنين ، تستنجد برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن موجودا ، فلما حضر ، ونفضت له الفتاة جلية الأمر ، استدعى والد الفتاة ، وأبطل الزواج ، وحينئذ اعلنت الفتاة رضاها ، مردفة بأنها انما كانت ترمي لتبصير النساء بحقوقهن . وهذه الواقعة الطيبة ، من السنة المطهرة ، تؤكد أحقية كل فتاة في الرضاء او الرفض ، لمن يتقدم للزواج منها ، وأن الولاية للأب في المقام الاول ، وأن ولاية الأب تنعقد برضاء الفتاة ، وما ذلك اجتهادات فقهية ، لها الاحترام والتجلة ، ولكنها تدخل تحت باب : كل ابن أنثى يؤخذ من قوله ويرد الا صاحب هذا القبر ، كما قال امام أهل المدينة ، في مسجد رسول الله ، بأبي هو وأمي . ونطلب من ثلاث جهات ان تصمت — تأدبا — اذ الأمر ليس اليها : * الجهة الاولى : المتعصبون ، الذين يرون في كل أمر خالف العادات والتقاليد ، خروجا على الشرع ، وهؤلاء ندعوهم بعد الصمت الجميل ، ان يردوا الامور الى الذين يستنبطونه من العلماء الربانيين ، وهم كثر في مجتمعنا ، ولله الحمد . * الجهة الثانية : السفهاء منا ، الذين يرون في كل سانحة كهذه ، فرصة للطعن في الشرع ، ودعوة الى قوانين الكفر والفسوق والعصيان ! وهؤلاء ظالمون : لانفسهم بالجهل ، وللشرع بالافتراء ، وللمرأة بدفعها الى المجهول ! * الجهة الثالثة : الدول الغربية ، التي لا تسارع الى نجدتنا بعلم نافع ولا تقانة ترفعنا من وهدة الفقر ولامال نسد به خلتنا ، وانما تسارع الى ما يشيع الفتنة وينشر الرذيلة ، ومصداق ذلك ما سارعت به دولة السويد ، بدعوة الفتاة احسان وزوجها باللجوء الى أراضيها ! فالفتاة نالت حقها بالمحكمة ، وجهرت برأيها على الملأ ، فان تلقت تهديدا ، فالقانون يحميها ولا شك ، ففكونا من شركم يا اهل الغرب ، ملأ الله بيوتكم نارا ! ودعوتنا لكافة الطيبين من اهلنا : أحيوا النفوس بالحقائق ، فمن أحياها ، فكأنما أحيا الناس جميعا ، ولا تقتلوها بالترهات والاباطيل ، فمن قتلها ، فكأنما أمات الناس جميعا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى