ثقافة وأدب

عبدالله ابوعلامة يكتب : اتكاءة لغوية على وسادة سودانية

 ……….

في عاميتنا الجميلة ، يقال : سخلة ، بفتح السين وسكون الخاء ، للأنثى من صغار الماعز ، واما الذكر من صغار الماعز فيقال له : سخل ، بفتح السين وسكون الخاء وحذف تاء التأنيث . وفي الفصحى ، يقال : سخلة ، لولد الغنم ، من الضأن والمعز ، ساعة وضعه ، ذكرا كان ام انثى ، وجمعه : سخل بوزن ( فلس ) ، بفتح أوله وسكون ثانيه ، ويجمع أيضا على : سخال ، بكسر السين وفتح الخاء . ويقال لولد الضأن في عاميتنا : حمل ، بتحريك الحاء والميم ، للذكر منه ، اما الأنثى فيقال : حملة ، بالتحريك واضافة تاء التأنيث . وروي أن الشيخ العبيد ود بدر ، رحمه الله ، قال : العندو حمل ، دينو همل ، كناية عن أن أهل الشاء والغنم ، ينشغلون بها عن اداء الفرائض ! وكان الحاردلو قال : بهمة منصح الوادي المخدر درو …. قعدت قلبي تطوي وكل ساعة تفرو …. وفي بعض الروايات : سخلة منصح الوادي المخدر درو …. وسواء كانت : بهمة ، او سخلة ، فهو يشبه المرأة التي يتغزل فيها ، بالبهمة او السخلة ، ومنصح الوادي : الوادي النصيح ، هو الوادي المزدان بأشجاره الباسقات ، ونباتاته شديدة الخضرة والنضار ، والمخدر : يعني المخضر ، اذ هم في عاميتنا يقلبون الضاد دالا ، فيقولون عن الشخص المسمى ” خضر ” : ” خدر ” ، ودرو ، النباتات الصغيرة اول نباتها ، شبهها ب ” الدر ” ، وهو نمل صغير جدا ، يتكاثر حتى يشبه به العدد الكثير من كل شئ ، فيقال : تقاطر على مكان الحفل مثل ” الدر ” ! وأصل الدر في الفصحى ” الذر ” ، بالذال المشددة المفتوحة ، وقوله : قعدت ، يعني صارت ، قلبي تطوي : يعني تتحكم في قلبي نشرا وطيا ، وهذا معنى قوله : تفرو . وكانت العرب تسمي الصغار من ولد المعز والضأن : بهم ، قال مجنون ليلى : صغيران نرعى البهم وحدنا … فليتنا لم نكبر ولم تكبر البهم …. وقال الحاردلو : قوز ود ضياب لسع ترى بشياهه …. بهما يطرد فرحان وعاجبو خلاه …. والشاهد فيه قوله : بهما ، حيث شبه الغزلان السارحة ، في ذلك القوز ، بالبهم ، شبههن بالفتيات الجميلات . والقوز ، المرتفع من الرمل ، ويجمع على : قيزان ، قالت الشاعرة الكردفانية تتغزل في حبيبها الفتي : زارعنه في الوديان … وساقنه بالحيضان …. فرقك صعيب يا فلان .. زي حنضل القيزان …. وود ضياب : ود هي ولد ، حذفت لامها التي بين الواو والدال ، وتعني ابن في عاميتنا الحلوة ، حيث يقال : فلان ود فلان . وضياب هي : دياب ، اسم شخص ، فخمت الدال حتى قلبت ضادا ، وهي في اصلها الفصيح : ذياب ، بالذال ، والذياب جمع ذيب ، وتنطق في عاميتنا : ديب بالدال ، وتفخم الدال حتى تغدو ضادا فيقال : ضيب ! فاذا كبر السخل ، أي المذكر من ولد الماعز ، قيل له : عتود ، بفتح العين وضم التاء المشددة ، ولعلها منحدرة الينا من اللغات السودانية القديمة ، حيث لم أقع عليها في القواميس المتوفرة لدي ، والله أعلم ، وربما صغروا العتود ، فقالوا : عتيد ، بكسر العين وفتح التاء وتشديد الياء مكسورة وممالة امالة خفيفة ، ويشبه الطفل الخفيف الحركة ، كثيرها ، بالعتود الصغير ، فيقال : ينطط متل عتيد البرم ، والبرم بالتحريك ، زهر شجرة الطلح ، ابان الازهار ، وهو زهر اصفر ، جميل الصفرة ، وذو رائحة زكية جدا ، حتى انك اذا دخلت غابة طلح ، ابان ازهارها ، يروق لعينيك صفرتها الرائعة ، كما تمتلئ ريئتاك برائحة الزهر الفواحة ، وأجزم سوف تسكر بلا خمر ! وجمع عتود : عتان ، بكسر العين وتشديد التاء مفتوحة ، والعتان تستطيب ازهار الطلح التي تسقطها رياح الشتاء ، فتكتنز لحما وشحما ، وتتقافز ، ذلك التقافز الذي ضرب به المثل ! فاذا كبر العتود ، قيل له : عمبلوق ، وواضح من تركيبها الصوتي ، انها متحدرة لعاميتنا ، من اللغات السودانية القديمة ، ومثلها في الجرس الصوتي : السفروق ، وهو عود ، يجري عليه النجارون الاتهم ، حتى يغدو مقوسا مثل الهلال ، ويسمى : المجداع ، وتصاد به الأرانب وصغار الظباء ، ويسميه اهلنا في كردفان ودارفور : ترمباش ، بضم التاء والراء وسكون الميم وفتح الباء ، ويصفونه ضاحكين : ترمباس …كن صادك سلاح ، وكن ختاك عود وراح ! يعنون أنه يفعل بك فعل السلاح ، اذا اصابك ، واذا لم يصبك ، فهو عود ليس اكثر . ومثلهما صوتيا ( العمبلوق والسفروق ) : السبروق ، بالباء ، وهو ثمرة البامية ابان بروزها من الزهرة ، وما يحيط بها من اوراق لدنة ناعمة ، تقطف جميعا ، و ” تفرك ” مع البصل واللحم — سيما لحم العتان — والطماطم والشمار الاخضر ، وهو من ألذ ادام المائدة السودانية ، حيث يؤكل بكسرة الذرة في وسط السودان ، وبكسرة القمح او القراصة ، في شمال السودان . فاذا كبر العمبلوق ، واستحصد واستوى على سوقه ، واصدر اصواتا مميزة ، تسمى في عاميتنا الجميلة : لبلبة ، فهو حينئذ : تيس ، وهي كذلك في الفصيح ، ويشبه الشخص السريع الكلام ب ( لبلبة التيس ) ، فيقال له : تلبلب زي التيس ! والتيس ما صار فحلا من الماعز ، ونزا عليها فأولدها ، ويقال للرجل اذا رضي الدنية في اهله ” تيس ” ! وفلان فيه تيسية وتيسوسة ايضا ، والعياذ بالله من سخطه وغضبه ! وشهيرة جدا في كتب الادب والنقد العربي ، حكاية الشاعر البدوي ، علي بن الجهم ، حين وفد على الخليفة العباسي في بغداد ، ومدحة بقصيدة استهلها بقوله : أنت كالكلب في الوفاء وكالتيس في قراع الخطوب …. فقام اليه الحضور مغضبين ليوقعوا به ، اذ كيف يشبه الخليفة بالكلب وبالتيس ! ولكن الخليفة — المثقف — كف أيديهم عنه ، واوضح بأنه قد مدحه بأوفى رفيق للبدوي في فيافيه الشاسعة ، حيث يحرس غنمه من الذئاب والضباع ، وفاء لسيده الذي يطعمه ويسقيه ، كما مدحه بأقوى ما عنده من الشاء — التيس — الذي يقارع الذئاب والضباع ، بقرونه القوية ، اذا هجمت على اناثه ، وطلب منهم ان يدخلوا الرجل بغداد ، حتى تتلبسه اخلاق الحضر ولغتهم ، ثم يأتوه به . ففعلوا ، وجاءووه به بعد زمان ، فاستهل مديحه له بقوله متغزلا : عيون المها بين الرصافة والجسر …. جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري … وأما الأنثى من بنات الماعز — السخلة — ، اذا كبرت فتسمى في عاميتنا ” عناقا ” ، وهي كذلك في الفصحى ، فالعناق بالفتح : الأنثى من ولد المعز ، والجمع أعنق ، بفتح الهمزة وسكون العين وضم النون ، وتجمع كذلك على : عنوق ، بضم العين والنون جميعا ، وتسمى العناق في عاميتنا ايضا : تقرة ، بفتح التاء وفتح القاف وتشديد الراء المفتوحة واخرها تاء تأنيث ، ولعلها مما انحدر الينا من اللغات السودانية القديمة ، والله اكرم واعلم . فاذا كبرت العناق أو التقرة ، ونزا عليها التيس ، فهي حينئذ : عنز ، في عاميتنا والفصحى على حد سواء ، وتجمع في عاميتنا المحبوبة ، على : غنم ، من غير لفظها ، كامرأة ونساء ، ويقال : عنوز ، من لفظها ، كما يقال معوز يرجعونها الى معزة ، قال الشاعرابراهيم ود احمد ود نفيسة ، شاعر الشيخ الكباشي ، في واحدة من عيون قصيده : ديلك معوز ….شيل قرعتك …واحلب لبن …من الغروز ….. وقد سمى بعض الشعراء القدامى محبوباتهم : عناقا وعنيزة بالتصغير ، ولا يحضرني الان شيئا من اشعارهم هذه ! ولحم ولد الماعز ( ذكرا كان ام انثى ) من اطيب لحوم الحيوانات المأكولة ، بل يزعم بعض من يتذوقون اللحم ويستطيبونه جدا ، أنه اطيب من لحم الضأن والبقر والجمال ! وفي كتب السيرة المطهرة ، ان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، خرج في نفر من أصحابه الكرام ، الى بستان لأبي أيوب الانصاري ، بالعالية ، وكان ابو ايوب غائبا ، فرحبت بهم ام ايوب ، وأتتهم بشن ماء — قربة — عذب وبارد ، لعلمها ان النبي — بأبي هو وأمي — يحب الماء العذب البارد ، ثم أتتهم بعذق بلح ناضج ، فأكلوا من البلح وارتووا من الماء العذب البارد ، وحمدوا الله وأثنوا عليه بما هو أهله ، وقال لهم الرسول الكريم : هذا النعيم الذي تسألون عنه . او كما قال صلى الله عليه وسلم .ثم حضر أبو ايوب ، فلما علم بمقدم النبي الكريم وصحبه الكريم ،جعل يعدو ويصيح : رسول الله عندنا….رسول الله عندنا….ثم عمد الى عناق له سمينة فذبحها ، وأمر ام ايوب أن تشتوي لرسول الله الكريم وصحبه الكرام ، لعلمه ان النبي الكريم يحب من اللحم الشواء .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى