اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب.. . الانتخابات الكويتية.. رياح الخليج أم نسمات الديموقراطية ؟

مطلع ستينات القرن الميلادي الماضي، غنى شادي الخليج ” عبدالعزيز المقرح ”، شعرا رائقا حلوا سلسبيلا، لشاعر الكويت ” أحمد العدواني” ، من ألحان موسيقار الكويت الفنان ” أحمد باقر ”، فتمايلت طربا أعطاف الامة العربية، من محيطها لخليجها، وقد استلهم احمد باقر، الألحان الشعبية البحرية، في تلحينها ، تقول كلمات الأغنية : عادت لنا الأيام فوق السفينة … مرة معانا الريح ومرة علينا …. بين السفر والغوص رحنا وجينا …. ومهما تغير الحال ما قط شكينا ….اللي وضعنا الروح عنده رهينه ….لو كانت الاقدار من صنع يدينا …. ما كان يوم فراق بينا وبينه …. نحن على ذكراك سرنا ورسينا …. واحنا صدقنا الحب واحنا وفينا …. حقك علينا ان كان بعدك هوينا ….

والكويت في وعي الكثيرين ، من ابناء هذا الجيل : النفط ، والغنى الفاحش ، والاغتراب ! بيد أنها في ذاكرتك جيلنا ، فكر وشعر وغناء شجي ، وفوق هذا ، بل قبله ، مجلة العربي ، واحمد زكي ، وحديث الشهر ، ثم هي بعد ذلك ، لأهل الهم العام : واحة الديمو قراطية ، في لهيب صحراء الشموليات الخانقة ، ثم هي ، علاوة على هذا وذاك : صوت التعقل العربي ، في زمان الجهالات العربية ، ولا أقول الجاهلية العربية ! وأنا كثير الذكر للعقل والديموقراطية ، بحسبانهما الدواء الناجع ، لداء وطني — السودان — ، الذي أعيا الطبيب المداويا ! منذ فجر استقلاله في العام 1956 للميلاد ، وحتى يوم الناس هذا ، والله المستعان . كما أن هذا سبب حفاوتي الشديدة ، بكل تجربة ديموقراطية ، فيما يسمى العالم الثالث ، وقد احزنني اخفاق اقدم واطول ديموقراطية عربية ، الديموقراطية اللبنانية ، اذ أن في خيباتها مشابه كثيرة ، من عثرات وخيبات الديموقراطية السودانية ، بل ان سبب الداء واحد : الطوائف والاحزاب والمحاصصات ! كما انني شديد الاحتفاء بالديموقراطية التونسية الناهضة بقوة ، من رماد الشمولية العلمانية البورقيبية الشائهة . وألاحظ في جذل ديموقراطية اثيوبيا الشابة ، يقودها العبقري الشاب ابي احمد ، وليتها تنجو وتعبر من حبائل الثعالب الكبار والأذناب ! وما دعاني لكل هذه المقدمة ( السيمفونية ) ، ظهور نتائج انتخابات مجلس الامة — البرلمان — الكويتي ، يوم الأحد الماضي ، حيث وصل خمسون نائبا لقاعة عبدالله السالم الصباح . وكما هو معتاد ، قام المحللون السياسيون ، يشققون الكلام ، ويتتبعون بنيات الطريق ، كما يقال . قالوا : ان المعارضة فازت بثلاثة وستين في المائة ، من مقاعد البرلمان ، مما يعني أن على الحكومة القادمة ، أن تستعد لخوض معارك شرسة ، في ثلاثة محاور :

المحور الأول : المصالحة الوطنية مع المعارضة ، سيما النواب الذين هجروا الكويت ، مغاضبين ومخاصمين .

المحور الثاني : تعديل قانون الانتخابات ، الذي كان اول الامر ب ” الكليات ” ، ثم ال الى النظام الحالي ” الصوت الواحد ” ، وترى المعارضة أنه نظام معيب !

المحور الثالث : قانون ( الدين العام ) ، حيث تواجه البلاد وضعا اقتصاديا معقدا ، جراء انخفاض اسعار النفط وجائحة الكورونا ، وتعاني الموازنة العامة ، عجزا يقدر بالمليارات ، مما يقتضي الاستدانة من النظام المصرفي ، وتخفيض مخصصات الضمان الاجتماعي ، والمعارضة ترفض الأمرين معا ! والتجربة البرلمانية الكويتية ، تجربة رائدة في محيطها الخليجي ، وفريدة بثباتها تحت مختلف الظروف، في محيطها العربي ، حيث تشهد التجربة الديموقراطية تذبذبا وتقلبات ، في لبنان وتونس والسودان ، ولا نذكر الديموقراطيات الصورية في بعض الاقطار العربية ! ولذا فان العشم كل العشم ، بأن يحفظ الله للكويت العزيزة ديموقراطيتها المتطورة النامية بل السامية . وأوضح ما لفت الانظار في هذه الانتخابات الكويتية الاخيرة ، خلو السجل النيابي من سيدة او انسة ، بفقدان ” النائب ” صفاء الهاشم ، مقعدها في هذه الدورة ، وكانت المرأة الكويتية ، نالت حقها الانتخابي اول مرة عام 2002 ، ودخلت البرلمان اربع عضوات — دفعة واحدة — عام 2005 ، ثم تقلص عددهن حتى انحصر في السيدة صفاء الهاشم ، التي لم يحالفها الحظ هذه المرة ، وقد أثارت تعاطفي الحار معها ، وأنا أقرأ تغريدتها ، في صفحتها على فيسبوك ، قالت : أبقى صفاء العالية بشموخها ، أبقى صفاء اللي قلبت كل الموازين بشراستها وصلابتها، صفاء اللي تمكنت من حل مجلس، واسقاط وزراء سيادة ، أبقى صفاء اللي رفست الكرسي النيابي، وزهدت بالمنصب، وقدمت استقالتها في موقف لا يجرؤ الا قلة نادرة، أبقى صفاء اللي شغلت الميديا والناس، داخل الكويت وخارجها )، واقول للسيدة صفاء الهاشم: تعجبني قوتك يا امرأة تحدت السقوط. هنيئا للكويت العزيزة ، عرسها الديموقراطي، وعقبال السودان الحبيب اعراسا ديموقراطية كثر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى