اعمدة ومقالات

مجدي عبدالعزيز يكتب.. قمة سلفا- السيسي إعادة الهندسة

• بلا شك ان اقليم وادي النيل يشهد في هذه الاونة حركة كثيفة لإعادة الترتيب ورسم جديد للواقع الجيوسياسي ، ومجهود كبير لضبط رمانة التوازن ، هذا الحراك لا يدور في الخفاء بل ان مشاهده ومظاهره صارت بائنة وبوضوح لعين كل مبصر بمنظار الإستراتيجية والمصالح والأمن الإقليمي والقُطري لدول المنطقة ،، وطبيعي أن مثل هذه الحركة وهذا الرسم وذاك المعادل لم يأت هكذا بلا دوافع او أسباب ، فكذلك بالمقابل فإن دوافعه واسبابه ايضا كانت واضحة لكل مبصر بمنظار الإستراتيجية والمصالح والأمن بمنظوره الشامل .
• بغض النظر عن ( المنافع والمضار ) لم يكن متوقع لدي كثير من المراقبين أن يُحدث ملف مشروع سد الألفية ( النهضة ) هذا الدويُ الهائل ـ علي الأقل حتي توقيع إعلان المبادئ بالخرطوم بين السودان ومصر وأثيوبيا في العام ٢٠١٥م ـ إلا بعد أن تم أكتشاف حقيقة سكون الشيطان في تفاصيل المفاوضات الممتدة والمتأرجحة وبروز النوايا المستترة التي من شأنها المساس بالأمن المائي والتحكم في مياه النيل الأزرق وعدم الإعتراف بحصص دولتي المعبر والمصب فيه الأمر الذي اعتبر تحكما في حياة شعبيها علي كافة صعدها مما أدي الآن بالمفاوضات الي طريق شبه مسدود خاصة بعد الموقف المتطور للسودان برفض حتي منهج التفاوض القديم ـ وهذا بالطبع هو رأس الدوافع التي أشرت إليها أعلاه لهذا الحراك بالإقليم ـ ناهيك عن ما أثاره ملف السد من نوايا بعض المحاور بالتدخل وإعادة التحالفات بالإضافة الي قضية امن البحر الأحمر التي ظلت قائمة ، وأخيرا إفرازات الصراع الأثيوبي وخصوصا علي دول الجوار الأقرب مثل السودان وجنوب السودان .
• صباح السبت الماضي عبرت طائرة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ( الأجواء السودانية ) صوب جوبا عاصمة دولة جنوب السودان ليسجل بذلك أول زيارة لرئيس مصري إليها بعد أن رفرف علمها بالأمم المتحدة مستقلة بين الأمم ثم من بعد مرور اثنتا عشر عاما علي زيارة الرئيس الراحل حسني مبارك في نوفمبر ٢٠٠٨م لعاصمة الجنوب السوداني وهو حينها كان يقلب في اوراق السلام وملفات جذب الوحدة .
• بحسب متابعاتي في الفترة الماضية لوقائع العلاقات المصرية الجنوب سودانية والكم الهائل من الزيارات السياسية والتفاهمات الفنية والإتفاقات المختلفة في كل المجالات بين البلدين أجزم بان زيارة الرئيس المصري وعقد قمته مع الرئيس سلفا كير تأتي تتويجا لبناء علاقة غاية في الإستراتيجية للطرفين من باب التحالف السياسي المتنامي بالإضافة للسودان ، ومن باب المصلحة المتبادلة للإحتياجات الطبيعية لمصر والاحتياجات الفنية والخبرات بالنسبة لدولة جنوب السودان .
• بالتأكيد بأن شعور مصر بتهديد أمنها المائي إزاء عدم حسم الإتفاق حول قضية سد النهضة ووضع الإتفاق ( عصي المنال ) في دائرة الإلزام القانوني الدولي ـ يدفعها للتحرك حثيثا لتطوير مشاريعها المشتركة مع جنوب السودان لزيادة موارد النيل من المياه ـ وهذا ما كان فعلا حاضرا في قمة الرئيسين للتقرير بشأنه بعد الدراسات الفنية الموضوعة لتنظيف مجاري أنهر السوباط وبحر الغزال وبحر الزراف وغيرها من روافد النيل ، والنظر في إحياء مشروع قناة جونقلي التاريخي العملاق .
• ويتضح ايضا جليا ان الفرص التي صارت متاحة الان لدولة جنوب السودان لإستثمار علاقتها الاستراتيجية فيها مع مصر باتت أكبر خاصة في مجالات تطورت فيها مصر بدرجة عالية مما يؤهلها بتقديم العون فيها بإرتياح وسعة مثل التعليم العالي والأنظمة الصحية والبيئية والكهرباء في وقت تظل فيها جنوب السودان اكثر حوجة لهذا العون بعد سنوات الحرب الأهلية التي اقعدت بالتنمية والإستقرار بها في مرحلة ما بعد الإنفصال .
• استقرار جنوب السودان ينطلق من تدعيم اتفاق السلام الذي تم بوساطة سودانية بين الفصائل الجنوبية التي كانت تتقاتل ، وخلال قمة سلفا / السيسي كانت واضحة الإشارات التي تُظهر الثقل المصري الذي ترمي به القاهرة للحفاظ علي السلام وتقويته وضمان تنفيذ بنوده ، فشملت إجتماعات السيسي لقاءه بنائب الرئيس الدكتور رياك مشار زعيم الفصيل الرئسي الموقع علي اتفاق السلام .
• يظل السودان في هذا الإقليم هو واسطة العقد وجسر التواصل وفي بعض الأحيان حلبة الفعل ، لذلك نجد دوره الآن متقدما في هذا الحراك وتلك التفاهمات في مناح عديدة وأطر مختلفة ، رغم ما يشوب الساحة السياسية الداخلية من مضاعفات الإنتقال ،، وسأعود لاحقا لتناول هذا الدور خاصة في منحي الأمن القومي والإقليمي بتركيز أكثر .. والي الملتقي ،،

•نشر بصحيفة السوداني – الثلاثاء 1 ديسمبر2020م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى