اعمدة ومقالات

محمد عبد القادر يكتب:رحيل الإمام.. طبت صادقاً ومهدياً وحقانياً…!!*

*ثمّة حزن يصبح معه البكاء مبتذلاً، حتّى لكأنّه إهانة لمن نبكيه.*
*فلمَ البكاء؟ مادام الذين يذهبون يأخذون دائماً مساحة منّا،* *دون أن يدركوا، هناك حيث هم، أنّنا، موت بعد آخر، نصبح أولى منهم بالرثاء،* *وأنّ رحيلهم كسر ساعتنا الجداريّة، وأعاد عقارب ساعة الوطن.. عصوراً إلى الوراء؟*
*” فوضى الحواس “*
*أحلام_مستغانمي*
*-1-*
ربما استشعر الموت، أنه لم يعد مخيفاً وقاسياً لدرجة الإفجاع، كونه أصبح حدثاً يومياً اعتيادياً يقطف ما شاء من أرواح الأعزاء فنواجهه بالصبر بعد أن *(كشفنا سره واستسغنا مُرّه*
*ﺻﺪﺋﺖ ﺁﻻﺗﻪ ﻓﻴﻨﺎ ﻭﻻ ﺯﻟﻨﺎ ﻧﻌﺎﻓﺮ*
*ﻣﺎ ﺟﺰﻋﻨﺎ أﻥ ﺗﺸﻬﺎﻧﺎ ﻭﻟﻢ ﻳﺮﺽ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ*
*ﻓﻠﻪ ﻓﻴﻨﺎ ﺍﻏﺘﺒﺎﻕ ﻭﺍﺻﻄﺒﺎﺡ ﻭﻣﻘﻴﻞ*
*ﺁﺧﺮ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﻗﺼﻴﺮﺍً أﻡ ﻃﻮيلاً*
*ﻛﻔﻦ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺍﻟﺴﻮﻕ ﻭﺷﺒﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﺮ)..*
قرر الموت استعادة عرش فجائعه المسلوب، بعد أن باخت فكرته من كثرة التكرار وأصبح نكتة في شفاه الأقدار لا تضحك أو تبكي أحداً، استجمع كل قدراته وطاقته علي الإفجاع فنشب أظافره في (عزيز دنيانا) الإمام الصادق المهدي زعيم حزب الأمة وكيان الأنصار.
*_2_*
والإمام الذي وجد مثلما يتمنى أهلنا في تقربهم الدائم لحسن الخاتمة *( ميتة الخميس ودفن الجمعة)*،
أعاد إلى الموت هيبته وللدموع صدقها، وللحزن وقاره وللبكاء وجعته بعد أن جفت ينابيعه في العيون ولم يعد في القلب موضعٌ لجراحات جديدة.
موت المهدي، أعاد تعريف المصيبة، وجدد في خلايا الأحزان معاني الفقد التي اعتدنا على طعمها مع تعدد الفواجع فلم تعد تؤلم أحداً، رحيل الإمام أعاد للحلوق العبرة، وللصدور الغصّة، وجعل الموت في حالة عنفوان جديدة ومخيفة لا تشبه استفزازنا الدائم للمنايا ونحن ندعوها أن *(حومي حول الحمى واستعرضينا واصطفي كل سمح النفس بسّام العشيات، الوفي الحليم، العف كالأنسام روحاً وسجايا.. اريحي الكف افتراراً وعطايا).*
*-3-*
وحده الصادق المهدي يزلزل فينا ثباتاً زادته مواكب الراحلين إلى دار الخلود صلابة، ويختبر صبرنا على الوجع، ويبعث في حياتنا نصاعة المعاني المعبرة عن دقة وصف الفقد الفادح والمصاب الجلل.
كانت أم درمان مدينة يتيمة وهي تفقد الحبيب في ليل المأساة الأليم، القناديل كأنّها مدامع تسيل على طرقات الأسفلت الباهت، وجدت النيل واجماً وهزيلاً، المآذن مكسورة، وقبة المهدي تبرم مع أحشاء المدينة الموجوعة موعداً للبكاء والنحيب والعويل، *(هوت عمم لهول نعي صخر وافلت من تماضرها الخمار)*، اليتم يلف المكان، الناس هناك يتهاوون في أحضان بعضهم وإن كانوا لا يتعارفون، كل يعزي الآخر ويبكي على طريقته، دموع الرجال فاضت بالمكان، وأرهقت قدرة الموجوعين على الثبات.
لا أتخيل أم درمان بدون الصادق المهدي، لا أظنها تطيب دون وقع خطاه المطمئنة في شوارعها – التي يكفنها الحزن ويفجعها البكاء – مشاركاً في الأفراح والأتراح، كان أول المعزين وفي مقدمة المهنئين، يزور الجار، ويعود المريض، يحب المساكين، يتوسط أفراح الناس، يهبهم بركة الجرتق وإشراق العديل والزين مثلما يستر جنائزهم ويصلي على موتاهم، تتراءي أم درمان في يوم التشييع وكأنها شبح لمدينة يتيمة دامعة، أرهقها الشوق في انتظار حبيب لن يعود.
*-4-*
مَن يمسح عن وجه بلادنا الأسى وصوت الإمام يغيب عن سوحها ومنابرها وفضائها، وقد خبرته زعيماً جحجاحاً وخطيباً مفوّهاً، تتوافد اللغة طازجة ومعقمة من لسانه الذرب العفيف حتى في مواجهة شانئيه، فقد عاش يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين، نضر الله أيام الإمام الموارة بالنبل والعفاف والسطوع المتجدد في عوالم الفكر وتجليات الحكمة والوعي والسياسة، والزاهية بالخيل والخير والعزة والحضور الباهر في تفاصيل المشهد الوطني طيلة الستين عاماً الماضية بهمة عالية وإرادة على بلوغ المعالي ونهايات المكارم لا يطالها التعب.
*-5-*
كان (مسمار النص) والركن الركين، والحكيم العاقل، والزعيم الكبير إذا حكم، والمتسامح العفيف إذا عارض، رحل الصادق المهدي وترك البلد بلا كبيرٍ، غارقة في اليتم، تركنا الإمام وهو المدخور بحكمته ووعيه ودربته ليعبر بنا مطبات الفترة الانتقالية وتعقيدات تخلق السودان في بعثه الجديد.
مثل الرجل جهاز مناعة لواقعنا السياسي، يصد عنه بكتيريا التطرف وجراثيم التشفي والغلو، وظل فارساً يجرد جيوش الأفكار والمواقف ضد أية محاولة لاختطاف بلادنا بواسطة الموتورين والمتفلتين من دعاة الفوضى والتشرذم والإقصاء، إذ كان يذكرهم دوماً بأن *( من فش غبينتو خرب مدينتو).*
مثل المهدي مصداً صلداً لرياح أرادت استلاب ثقافة شعبنا وحشره في معارك التحلل القيمي، فعاش إلى جانب ميراثه الروحي – كإمام لكيان ديني – زعيماً سياسياً ومفكراً استثنائياً، زاوج بين الأصالة والمعاصرة بتوازن غريب.
*-6-*
*(طالما الصادق في.. عوجة مافي)،* عبارة كنت أتزوّد بها حين تجتاحني المخاوف على مصير بلدي، كان هو الحكيم النبيل الذي لا يزايد على وطنيته أحدٌ، مثل مؤسسة إنسانية يتعلم منها الساسة جلاء الحكمة ومعنى التسامح والوسطية والاعتدال، عاش نبيلاً مُتسامياً، وكبيراً تتقزّم في وعيه الإزمات وتنتهي في منطقه المشكلات.
مهذبٌ ومتواضعٌ وحيي جرئ في الحق، صاحب توقيعات ساخنة على الأحداث، تجدد خلايا الساحة السياسية بالاختراقات الكبيرة والمفردات الرصينة، كان دقيقاً في توصيف الحالات يستدعي لها من سودانيته المبهرة ما الحق *(بيضة امكيكي) و(نعامة المك) و(ديك المسلمية) بالقاموس السياسي السوداني..*
*-7-*
عاش يمقراطياً سمحاً متواضعاً، تتداخل في شخصيته صفات
المفكر والمجدد والمصلح السياسي والاجتماعي، لم يدع مجالاً الا وألّف فيه الكتب واعمل الدراسات، تجاوزت اهتماماته المحلية بكثير، فهو مفكر تحتفي به المنابر الإقليمية والدولية وتتشرف بعضويته المبادرات والمنصات الخارجية.
نعم سيدي الإمام ومثلما كان آخر ما كتبت *أفضل الناس في هذا الوجود شخص يترحم مشيعوه قائلين لقد شيعنا حقانياً إلى الحق.. إن إلى ربك الرجعى)..* نشهد أنك كنت حقانياً وديمقراطياً وعفيفاً نبيلاً ووطنياً كريماً.. طبت صادقاً ومهدياً أيها الحبيب…
*أيامك مضن متل البروق الرفن..*
*كتر النوح عليك ترع العيون ما جفن..*
*تاج نمر اللباقة رقد معاك واتكفن..*
*الجود والبشاشة اتقالدن واتوفن..*

*رحم الله الإمام الصادق المهدي..*

*صحيفة اليوم التالي*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى