اعمدة ومقالات

رحمة عبدالمنعم يكتب:*مات الصادق أمل الأمة*

فقدت البلاد أمس رجلاً وطنيا ً صادقاً وزعيما سياسياً حكيماً أسمه الصادق المهدي كان منارة للوعي والوطنية والاستنارة، كان رقيقاً كالنسمة، مضيئاً كالنّجمة، كان مثالاً للتسامح والأنفتاح، قضى عمره يتأمل أحوال الناس حاكماً ومعارضاً، عاش الحياة كمايجب أن تعاش بخبز التجربة وملح التأمل…
المتأمل في سيرة الأمام الصادق المهدي زعيم الأنصار يجد أنه ولد وفي فمه معلقة من ذهب، يحيط به جيش من الخدم والحشم ، كيف لا وهو بن الصديق المهدي، لكن الإمام ترك كل ذلك الجاه وعاش سودانياً خالصاً على طريقته..متواضعاً _كريماً _ نبيلاً_ شفافاً، شديد الحكمة كالشمس، قنديلأ مضيئاً في أوقات العتمة، إنسانا اصيلاً يداوي جروح الناس وندوبهم، تخرج من بين شفتيه كلماتٍ كالبلسم الشافي ، ودبلد نبيل تجده حاضراً في أفراح الناس واتراحهم بوقاره المعهود و إبتسامته المضيئة…
صنع الصادق المهدي لنفسه مكانة مرقوقة في قلوب الناس لايدانيه فيها أحد، وذكراتنا لازالت تحتفظ بشعارات تُمجد الصادق مثل : (الصادق المهدي انا صوتي ليك بهدي) و( عاش الصادق أمل الأمة)، اي اننا كنا ندخرك لملمات الدهر، لكي تضيء ظلماتها بنور عقلك وتحل معضلاتها بصائب رايك، من لنا الأن وانت ترحل بعيداً في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لسماحتك وحكمتك…

كان الصادق المهدي سياسيا بارعاً قوي العزيمة،دخل ساحة العمل السياسي بعد وفاة والده الصديق، تولى إمامة الأنصار واصبح رئيس للجبهة القومية المتحدة، وأنتخب رئيساً لحزب الأمة القومي، وبعدها صار رئيسا للوزراء 1966م ثم تولى ذات المنصب في العام1986_1989، اعترت فترتي رئاسته مشاكل عديدة، كداب اي تجربة بشرية لاتخلو من الاخطاء..
بعد انقلاب الإنقاذ على حكومة الصادق المهدي الشرعية ، تحول الأمام إلى معارض شرس لاسترداد حكمه الذي اغتصب بالدبابة، ودفع في سبيل ذلك سنوات من عمره في المنافي والسجون، ولان السياسة في أبهى تعريفاتها هي فن الممكن، هادن حزب الأمة حكومة الانقاذ وجلس في مائدتها المستديرة، ودعم حوارها الوطني، ولم سئل الإمام عن مشاركتهم في الحوار الوطني قال :(حزب الأمة باجندته الوطنية يهدف من خلال مشاركته لبناء نظام قومي بديل..)، وهكذا هو الصادق لا يساوم عندما تكون مصلحة الوطن والامة هي السبيل والهدف..
ظل الصادق المهدي ينادي بالديمقراطية ويدعو بأنها عائدة وراجحة، فالدايمقراطية من وجة نظره هي النظام الأمثل الذي يحقق الحرية والمساواة والعدالة…
ادخل الصادق المهدي مفردات التسامح والمحبة للقاموس السياسي السودان، فقد كان محباً محبوباً ينادى بالحبيب وينادي بالحبيب، حتى وهو سرير المرض لم يتخلى عن َ سماحته ، فكتب في آخر مقال له: (صحيح بعضنا أحس نحوي في المرض بالشماتة ولكن والله ما غمرني من محبة لا يجارى، وقديماً قيل: ألسنة الخلق أقلام الحق)
لم يكن الصادق سياسي فحسب بل كان مفكر حكيماً وكاتباً عظيماً، رفد المكتبة السودانية والعربية بالعديد من الكتب القيمة ومن مؤلفاته : (الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة)،و (يسألونك عن المهدية) و(أحاديث الغربة)…الخ
رحل الصادق المهدي بعد حياة عامرة بالنشاط والعمل، وتاريخ حافل بالبذل والعطاء، برحيله انطوت صفحة مشرقة من تاريخ السودان، وكتلة نشاط من المناقب والمزايا أسرت، رحل الصادق الصديق الصدوق رجل العلم والمعرفة و ترك لنا إرث عظيم من الأخلاق والقيم والكتب..
اللهم ارحم عبدك الصادق المهدي واغفرله له و أبدله داراً خيراً من داره، وأهلا خيراً من أهله، وأدخله الجنّة، وأعذه من عذاب القبر،..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى