اعمدة ومقالات

وليد العوض يكتب: الامام الصادق المهدي .. عقد الدم بالعصا

 الامام الصادق الصديق 1935 _ 2020 مسيرة طويلة من المهد الي اللحد حافلة بالبذل والعطاء والمواقف التحولات المصيرية في الحياة السياسية ؛ أمس أغمض الامام صاعدا الي السماء تاركا على الأرض سيرة باذخة ومبذولة ونسب ذو صلة بالنشأة الأولى لتخلقات الدولة السودانية؛ وفعل سياسي مواز لميلاد الدولة المستقلة على مر تلقبات مناخها السياسي وحركة الفواعل السياسية .

رحل الإمام في توقيت استثنائي تمر به الدولة من حيث الانتقال السياسي والانقلاب في خارطة المشهد السياسي ؛ تشكيلات وفواعل سياسية جديدة تصدرت المشهد الإنتقالي تشير إلي أنها لا علاقة لها بسودان ما قبل 1989؛ ومع وفاة الإمام الصادق المهدي آخر قيادات الجيل الثاني في الدولة الحديثة يدخل السودان مرحلة جديدة ربما يكون غياب الإمام المفكر ؛ السياسي ؛ التاريخ والحكيم بمثابة إعلان وفاة للنادي السياسي القديم. 

في محطة وداع حكيم الأمة السودانية احاول الإشارة إلي إضاءات في بروفايل الإمام على طريقة “عقد الدم بالعصا ”  من خلال مواقفه من المصالحات والتسويات السياسية والمنعطفات الحرجة التي احدث فيه تحولا أنقذت البلاد من الانزلاق نحو الفوضى والنزيف .

بعد إنقلاب مايو واحداث مجزرة ود نوباوي والجزيرة ابا واعلان المواجهة المسلحة مع نظام مايو واجتياح الخرطوم عبر تحالف الجبهة الوطنية اتجه الإمام الصادق المهدي نحو الخيار السلمي بمصالحة بورتسودان الشهيرة في 1977 لخفض التوتر والتصعيد والإنزلاق ؛ ما بعد المصالحة عادت الحياة السياسية إلي طبيعتها سلمية سلمية .

في منعطف العمل المسلح المعارض للانقاذ وفتح جبهات قتالية اتخذ الإمام قرار المصالحة الثانية وتوقيع اتفاق جيبوتي والعودة للداخل  ” تفلحون” ؛ بعدها انخرط المشهد في التوالي السياسي وتحركت المعارضة في هامش الحريات التي انتزعتها مصالحة المهدي من بين فكي الانقاذ في عشريتها القابضة .

نفذت حركة العدل والمساواة عملية الذراع الطويل واجتياح ام درمان في تصعيد عسكري نوعي من حيث الوصول الي العمق كما فعلت الجبهة الوطنية في 1976 ؛ في هذا التوقيت وقع الإمام الصادق المهدي اتفاقا سياسيا مع الإنقاذ خطوة نحو تعزيز العمل السلمي وجر الإنقاذ الي مربع جديد في قبول الآخر. 

بين كل مشروع مصالحة يقع الإمام الصادق في منطقة التأثير في مشروع المعارضة والحكومة وكلما مال رجح واربك ميزان العمل السياسي ويبدو هنا مشروع ” طريق ثالث ” الامر الذي جعل حزب الامة القومي وإمامه في مرمي نيران الهجوم على مواقفه وهو غير مهتم لحملات التضيق والتنديد .

بعد الحوار الوطني الذي أسند بداياته دخل في مواجهة مع الإنقاذ دفعته إلي المنفى الاختياري في رحلة الخروج الثانية ؛ خلاصة هذا الخروج كان إعلان باريس الذي أسس لمشروع نداء السودان وتجميع قوى العمل المسلح والسلمي في تحالف معارض ؛ لا يهمنا في نداء السودان غير بوتقة الانصهار السياسي التي نقلت الحركات المسلحة إلي ما تبدو عليه الآن من تحولات كبرى في تغيير أدوات العنف السياسي وتباري قياداتها في طرحها كحركات سياسية وفي ظني أن تجربة نداء السودان محطة مهمة في الحوار والمصالحة السياسية وتسهيل مهمة السلام سواء كان ذلك في اتفاق خارطة الطريق أو سلام جوبا الذي بموجبه دخلت الحركات المسلحة الي عملية الانتقال كمكون ثالث وأصيل .

رحل الإمام  بعد طرح  أطروحة العقد الإجتماعي الجديد كمسار تصحيح ومصالحة  بعد انفراط عقد ثورة ديسمبر ؛ خلافات مكوناتها وارتفاع معدلات الاستقطاب والاحتقان السياسي والقبلي ؛ وبهذه الأطروحة نقل الأمام الصادق المهدي الثورة من محبس إعلان الحرية والتغيير كبرنامج إسقاط إلي عقد جديد يتماهى مع رغبات التغيير ويعالج اختلال الانتقال والتحول ؛ وختم الإمام حياته السياسية بالعقد الجديد وزاد عليها بموقف ثابت من التطبيع وانتقل إلي جوار ربه بنفس راضية مطمئنة .

   

      

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى