اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة  يكتب : ناصية كاذبة خاطئة

مشاهدات من الرقراق 

سماها أهلها : الزهرة الجميلة ، وسماها الشريف حسين الهندي : عاصمة الهضاب الشم ، انها اديس أبابا ، التي احتضنت في دفء ومودة ، في النصف الأول من ستينات القرن الميلادي الماضي ، عروس افريقيا : منظمة الوحدة الافريقية ، تحت رعاية حكماء افريقيا ، الاباء المؤسسون : هيلاسلاسي وابراهيم عبود وجمال عبدالناصر واحمد سيكوتوري وجومو كنياتا وجوليس نايريري ، والتي غدت الان : الاتحاد الافريقي ، أنضج منظمة اقليمية بلا منازع ، وهذا الارث الافريقي العظيم ، يجعل من اثيوبيا وشعبها ، رمزا لمحبة وتقدير كافة شعوب القارة السمراء ، مما يجعلهم الان يشعرون بكثير من الأسى والأسف ، لألسنة الحريق الجائح الذي ينطلق منها ! وزوايا النظر لهذا الحريق الجائح متعددة ، منها : الدولة الديموقراطية التي ولدت بعد الثورة ، التي فجرها الشعب الاثيوبي ، بقيادة الشاب ميليس زيناوي ، وحرر بها الارض والشعب من ديكتاتورية مانغستو هايلي ماريام الدموية . ومنها الوحدة الحضارية الديموقراطية للشعوب والاثنيات الاثيوبية ، التي كادت تصبح مثالا يحتذى ، لكافة شعوب القارة السمراء . ومنها التطور الاقتصادي والاجتماعي ، الذي بدأت اثيوبيا تصعد سلمه في قوة وثقة . ومنها الأنانية وضيق الأفق الذي قاد اثنية ، من اثنيات اثيوبيا الكثيرة ، الى حسابات الربح والخسارة الضيقة ، حتى خرجت على الاجماع الديموقراطي ، بهذه الحرب القبيحة . ومنها الاطماع الاقليمية المنحطة ، ان لم نقل الحسد والغيرة ، من الدولة الديموقراطية الناهضة …هذه زوايا يمكن النظر من خلالها ، لحرب اقليم التقراي الاثيوبي ، التي تطاير شررها ، بل تطايرت شرورها ! ولكن مجلة السياسة الخارجية الاميركية ، ” فورن بوليسي ” ، تنظر اليها من زاوية اخرى ، تجعل السودان محورها ! فالمجلة المذكورة ترى ان السودان يمكن ان يطيل امد هذه الحرب ، ويمكن ان يقصرها ! كيف ؟ الدعم اللوجستي اللازم لصمود مقاتلي التقراي ، في وجه قوات الحكومة الاتحادية ، محكوم بسماح السلطات السودانية له او منعه ، لأن السودان المنفذ الوحيد للأقليم المنكوب ، نظرا للعداء المستحكم بين جبهة تحرير التقراي ، وجبهة التحرير الحاكمة في ارتريا . وترى المجلة ان السودان ( قد يتظاهر بتأييد ) جبهة التقراي المتمردة ، ليجعل من ذلك ورقة ضغط على الحكومة الاتحادية في أديس أبابا ، لابعاد نظرها عن مثلث الفشقة المتنازع عليه بين البلدين ، منذ زمان طويل ، ولتليين موقفها تجاه محادثات سد النهضة ! وفي كلا الامرين يبلغ علم ” فورن بوليسي ” بالصحابة ما يجعلها تصلي على عنتر ، كما يقول محمد جلال كشك ! فمثلث الفشقة وفقا للاتفاق الذي وقعته سلطات الاستعمار البريطاني مع الامبراطور الاثيوبي منليك ، عام 1902 ، هو من ضمن الاراضي السودانية ، أما دعاوى قبيلة الامهرا — عشيرة رئيس الوزراء الحالي ابي احمد — فلا كونها دعاوى لا يسندها ، عقل سوي ، ولا قانون دولي ، ومع ذلك فيمكن حل هذا ” الاشكال ” بالاسلوب العشائري الاخوي الافريقي ، والذي ( يلبس كل طرف ثوبه ) ، كما يقال في الأمثال السودانية . وأما سد النهضة ، اذا تجاوزنا المخاوف الهايدروليكية على خزان الروصيرص ، وهي مخاوف يمكن لخبراء المياه في البلدين وضع التحوطات الفنية التي تزيلها ، فان هذا السد فوائده للسودان كثيرة : $ منها تنظيم مسألة الفيضانات الجائحة ، التي ظلت كل عام تهدد السكان وتغرق الجزر وتعدم مزارع الخضر والفاكهة على ضفتي النهر المبارك . $ ومنها يحفظ للسودان حصته الكاملة من المياه ، لاستخدامها في الزراعة طوال السنة ، بل الزراعة المحدودة بعروتين فقط ، صيفية وشتوية . $ توفير كهرباء زهيدة الثمن ، مما يساهم في دعم كهرباء الشبكة القومية ، ويمكن شركة الكهرباء الوطنية ، من الوفاء لعملائها بالامداد الضروري ، في القطاعات الزراعية والصناعية والسكنية ، على حد سواء . وهذه الحقائق عن سد النهضة ، يجب ان يعرفها كل الناس ، بكل الصراحة والوضوح ، بعيدا عن ( الدسدسة والغتغيت ) كما قال السيد نائب الرئيس ! واذا كان من مقولات الغربيين ” قوم فورن بوليسي ” : السياسة لعبة قذرة ، بمعنى أنها لا تخضع لعاطفة ولا عرف ولا تقاليد — حتى لا اقول : ولا لدين ! — ، فهذا شأنهم هم ، وهم أحرار فيما يرون ، أما نحن : في العالم الثالث ، او المتخلفون ، او من لا يفهمون قواعد اللعبة السياسية ، او سمنا ما يروق لك : فتحكمنا الأعراف والتقاليد والعواطف ، لا نستطيع منها فكاكا ، ولا عنها حيدة ، وبذا فاثيوبيا العزيزة ، جارة وصديقة ، لا بل شقيقة ، وأمنها امن بلدنا ، وسلامها سلامة شعبنا ، ورخاؤها رخاؤنا . ولن ينسى شعبنا للنظام الديموقراطي الاثيوبي ، وقفته الشجاعة معه ، حين تعقدت الامور ، وادلهمت الخطوب ، قبل الاتفاق على مؤسسات الفترة الانتقالية . هذا ما يحكم العلاقة مع الشقيقة اثيوبيا ، وليس الخوف من هشاسة الوضع الحالي في السودان ، والذي يمكن ان تستغله اثيوبيا ، اذا ساعد السودان جبهة التقراي المتمردة ، في نقص اتفاق سلام جوبا ، مع الحركات المتمردة ، كما تتكهن مجلة فورن بوليسي . ان الواجب على كل دول القرن الافريقي ، اطفاء حريق التقراي ، والا فان ناره ستأكل كل ناصية خاطئة كاذبة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى