اعمدة ومقالات

وليد العوض يكتب:السودان .. شظايا حرب الهضبة 

التصعيد العسكري بين إقليم التغراي والحكومة المركزية في أديس أبابا  أدخل  إثيوبيا الفيدرالية في مستنقع الحرب ؛ تطورات المواجهة العسكرية دخلت العمق الإريتري  وتمتد إنعكاساتها الإنسانية نحو  شرق السودان .

 يبدو  أن  فرضية توسعة نطاق الحرب الإثيوبية الي حرب إقليمية   أمرا واقعا لا مفر منه ؛ الموقع الجيوسياسي لاثيوبيا كمنطقة  عمق في  القرن الأفريقي وكثافة القواعد العسكرية لتأمين الملاحة البحرية   ؛ ومحطة عبور للعمق الإفريقي من خلال وجود مؤسسات الإتحاد الإفريقي  ومؤسسة الإيغاد الإقليمية ؛ إضافة لمساجلات وتوترات  ملف سد النهضة والحرب الكلامية ؛ وإضطراب ساحل البحر الأحمر. 

في اكتوبر الماضي وأثناء مكالمة هاتفية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء السوداني د. عبد الله حمدوك أرسل الرئيس الأمريكي تهديدات مباشرة لاثيوبيا حول سد النهضة تعامل معها الجانب الأثيوبي بجدية وإستدعى السفير الأمريكي في أديس أبابا وابلغته رفض تهديدات ترامب .

قريب من تهديدات ترامب خاطب  رئيس الوزراء الأثيوبي آبي احمد  اعضاء البرلمان وأشار إلي  تسلل مقاتلين سودانيين لدعم مليشيا قُمز لقطع الطريق وتعطيل العمل في سد النهضة .

في ظل هذه  التطورات الخطيرة إكتفى السودان بالحياد عن ما يجري في اثيوبيا عدا تسريبات رفض رئيس الوزراء الأثيوبي لوساطة نظيره السوداني رئيس منظمة الإيغاد. 

نشرت مجلة فورين بوليسي الامريكي تقريرا عن أن السودان سيقرر في نتيجة الحرب الأهلية الإثيوبية؛ مستندة على فرضيات متأثرة  بقضايا  سد النهضة؛ الفشقة؛ الوضع الهش ؛ الصراع القبلي في الشرق والمخاطر والتهديدات دعم أطراف الصراع  .

تقرير مجلة فورين بوليسي عملية إستدراج لصانعي القرار السوداني نحو إعلان موقف محدد بالإنحياز لاقليم التغراي للضغط على الحكومة الإثيوبية وإحراز تقدم في قضيتي الفشقة وسد النهضة ؛ وإستفادت فورين بوليسي من عدم قدرة الإعلام السوداني من تشخيص المواجهة بين جبهة التغراي والحكومة الإثيوبية وإنعكاسها على السودان ؛ الإعلام السوداني إكتفى بإبراز الموقف الإنساني للاجئين والفارين من المعارك العسكرية  ؛ وإستفادت من حالة الصمت الرسمي حول   ما يجري وتأثيراته على مجمل الأمن القومي السوداني ؛ وعلى هذا تحركت المجلة الأمريكية وطرحت فرضيات التي تسهم في  إعلان نتيجة الموقف من الحرب الأهلية في اثيوبيا .    

قراءة الموقف السوداني حول ما يجري في إقليم التغراي تكمن في  قراءة  العلاقات بين السودان وإثيوبيا والمصير المشترك خاصة في  التحولات الحرجة بعد صعود رئيس الوزراء  الأثيوبي وبناء تحالف جديد ،  وتحالف قوى الحرية والتغيير  2018 _ 2019 اي ما بعد حقب البشير _ زيناوي ؛ العامل الآخر في قراءة العلاقات تزمن التحولات الكبرى في طبيعة  أنظمة البلدين من حيث التوقيت  ؛ حيث وصلت الإنقاذ الي سدة  الحكم في السودان 1989 ؛ وجبهة التحرير  في اثيوبيا 1991 ؛ وما بعد ذلك تم طرد الحركة الشعبية المتمردة حينها خارج مناطق الإيواء العسكري في جنوب غرب اثيوبيا .

ما بعد التغيير شهدت العلاقات السودانية الاريترية الإثيوبية حركة تبادل زيارات دبلوماسية  ذات طابع عسكري بين رؤساء هيئة الاركان ما يؤكد أن الأولويات مرتبطة بمهددات الأمن القومي  ؛ فالشريط يمثل منطقة إمتداد للمهددات والمخاطر في منطقتي  القرن الإفريقي والشرق الأوسط ؛ ومن المهددات الهجرة غير الشرعية ؛ مكافحة الإرهاب ؛ النشاط الإيراني على ساحل البحر الأحمر وسباق المحاور الإقليمية الدولية  في هندسة المشهد الإقليمي للمواجهة المحتملة بين إيران والولايات المتحدة الامريكية وامتدادها وساحاتها .

ما حدث في شرق السودان وما يحدث في إقليم التغراي درس سياسي بالنسبة لفواعل المرحلة الإنتقالية بضرورة تقوية مؤسسات صنع القرار السياسي وتعزيز الوحدة الوطنية فالإنقسام الوطني بيئة جيدة التدخلات الخارجية كما هو في السودان الإنتقالي  ؛ والانتباه لحالة السيولة الأمنية وهشاشة الانتقال بحكم تعدد حواضنه ومراكز نفوذه الذي  أفرز تناقضات المشروع السياسي للتغيير وانسداد الأفق السياسي  مستقبل الاستقرار والتحول؛  على اية حال فإن السودان الإنتقالي محاصر بأجندات واحتمالات الحرب وعسكرة السياسة الدولية  لكن الداخل السوداني موغل منشغل   بخطاب  سياسي داخلي حول  التحول الديمقراطي؛ السلام   وما بينهما من تدخلات دولية وإقليمية تحاول تدوير أجندة مصالحها الاستراتيجية وتشكيل اتجاهات الرأي العام والسياسات عبر الأذرع والمنصات  الإعلامية ولعل تغطية الإعلام السوداني للحرب الأهلية في اثيوبيا تتحرك في مساحات إدانة الحكومة المركزية من خلال إبراز الوضع الإنساني على  حدود السودان مع إقليم التغراي .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى