اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب: عرضحال لعموم اهلنا الطيبين

مشاهدات من الرقراق 

في ستينات القرن الميلادي الماضي ، كان التجار بالسوق العربي بالخرطوم ، يتداولون ” نكتة ” عن الخواجة اسحاق . والخواجة اسحاق ، تاجر الاقمشة بالسوق العربي ، يهودي سوداني ، ولد في دنقلا ، ونشأ وترعرع في عطبرة ، ثم جاء الى الخرطوم ، حيث افتتح دكانا لبيع الاقمشة السويسرية الفاخرة . وتقول النكتة المتداولة يومئذ ، ان الخواجة اسحاق ، صباح كل يوم ، وقبل ان يخرج الى دكانه العتيد ، يفتح خزانة امواله ، ويمتع ناظريه باوراق البنكنوت المكدسة ، والجواهر المتلألئة ، والذهب الرنان . ومن ثم ينتقل الى المطبخ المنزلي ، ويمسك بخناق ” بطة ” العسل ، ويكرع منها ، ويتذوق ويتلمظ . ثم يخرج الى السوق ، ويفتح ابواب متجره الملئ بشتى صنوف الأقمشة ، ويأرز الى كرسي قرب باب المتجر ، ويتداخل في نفسه ، حال من يعاني مرضا ، وكلما مر عليه احد جيرانه التجار ، والقى عليه تحية الصباح ، يرد في صوت متحشرج ، فاذا سأله جاره عما به ، اجابه الخواجة : رأيت هذا الصباح ، ما أسأل الله ألا تراه ، يا جاري العزيز ، وذقت ما أسأل الله ألا تذوقه ! استدعى نكتة الخواجة اسحاق فيديو ، جاءني عبر الأثير ، من ضمن ما يتدفق من ( المليانة والفاضية ) ! ولا شك ان كثيرين غيري قد عرض لهم ، والفيديو لمهندس زراعي اسرائيلي ، يعرض خلاله بالصوت والصورة ، التطور التقني الذي احرزته الزراعة الاسرائيلية ، وهم يعلمون علم اليقين ، ان ” كعب أخيل ” الاقتصاد السوداني ، التخلف الزراعي ، مع توفر كافة مقومات النجاح ، لانتاج زراعي وفير ، يطعم اهل البلد وجيرانهم ويفيض على العالم ، ولذلك ما فتئوا يعزفون على وتر التطور الزراعي الاسرائيلي . وبعد ان شاهدت الفيديو ، علقت تحته كتابة : نحن لا نحتاج لمثل هذه التقانات ، وعندنا — بحمد الله — علماء كثر ، في التربة والمناخ والري والهندسة الزراعية واكثار البذور واستنباط السلالات الجديدة ومكافحة الافات ، ومالى ذلك كثير كثير ، فكفوا عنا شركم يا ابناء الأفاعي ! وظننت — وبعض الظن اثم — أن الأمر قد انتهى الى هنا ، ولكن الأعين المتلصصة ، التقطت ردي ، وردت علئ بتسجيل صوتي : نحن نعرف أن عندكم خير كتير ! ولكن الزول ( هكذا نطقها ابن السعلاة ) يتحدث عن التقنيات المتقدمة ، في الزراعة ، التي احرزتها اسرائيل ، استمع الى الفيديو بهدوء ، وبدون تعصب ! فرددت بشريط صوتي : لقد شاهدت الفيديو بتمعن ، واستمعت الى — الزول — بروية شديدة ، وتجدني ما أزال على رأي ” بغير تعصب ” ، اننا لا نحتاج الى ما تسميه تقاناتكم المتقدمة ، لأنها تقانات لأراض قاحلة او صحراوية ، ومياه شحيحة ، او مياه صرف صحي معالجة ، ولذلك تلجأ الى الزراعة داخل البيوت المحمية ، والري بالرش ، او الري بالتنقيط ، وانتهاء بالري في الجذور ، وكل ذلك حمانا الله منه ، فأرضنا صلصال ، وماؤنا زلال ، كما يقول اديبنا الطيب صالح ، وجونا طلق صحو ، يحتضن كل المناخات الصالحة للزراعة ، طوال العام ، فما حاجتنا للبيوت المحمية والري بالرشاشات والتنقيط ، وما حاجتنا لمياه الصرف الصحي المعالجة ، بل يكفي ما فعلته هذه المياه الاسنة بالزراعة في مصر والاردن ، ولا حول ولاقوة الا بالله . اننا نعرف حاجتنا ، وهي شئ واحد لا ثاني له ، وهو التمويل الزراعي ، وهو متوفر عندكم اكداسا اكداسا ، مثلما في خزانة الخواجة اسحاق ، ولكن العشم فيه كعشم ( الكلب في موية الابريق ) ! نحتاج ان نمول مراكز البحوث الزراعية عندنا ، وهي كثيرة في جميع انحاء القطر ، وفي مختلف الانواع الزراعية ، وتعج بشباب وكهول وشيوخ الباحثين ، يمسكون الجمر ولم يتململوا او يهاجروا ، ونريد انتاج البذور المحسنة ( لا المحورة خلي بالك ) ،وانتاج الاسمدة الملائمة لتربتنا وطقسنا ، والتصنيع الزراعي الذي يمكننا من وضع القيم المضافة على انتاجنا الزراعي الوفير ، والميكنة الزراعية اللازمة للعمليات الزراعية وعمليات الري ، لا تلك التي تعوق اليد العاملة وتفاقم البطالة ، وما يتبع ذلك من عمليات التغليف الحديث ، والبرادات التي تنقل الخضر والفواكه والالبان واللحوم والأسماك ، لانحاء البلد الشاسع ، ولدول الجوار ، وللعالم اجمع . ان تقنيتكم المعروضة في الفيديو ، انتاجها وفير ، وحجمه كبير ، ولونه نضير ، ولكنه ” ماسخ ” بلا طعم ولا رائحة ، ونحن اعتدنا ان نتمتع باللون الجميل ، والرائحة الفواحة ، والطعم اللذيذ ، ولذلك فاننا نلفظ انتاجكم المسيخ المسرطن ، كما نلفظ أي علاقة معكم يا ابناء الافاعي ، كفانا الله شركم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى