ثقافة وأدب

عبدالله ابو علامة يكتب: كتاب : على كل مثقف سوداني قراءته

عصر البطولة في سنار

وهو ترجمة لكتاب : the heroic age in sinnar by jay spaulding —

مؤلف هذا الكتاب أميركي ، اختار هو ، او اختارت له جهة ما ، موضوع : السلطنة السنارية في السودان ، للدراسة فوق الجامعية ، الدكتوراة . وقامت جامعة ولاية ميتشجان الاميركية ، برعاية الدارس ودراسته ، حتى منحته درجة الدكتوراة . وقد قدم الى السودان ، منتصف ستينات القرن الميلادي الماضي . وقدم بحثا تحت عنوان : ملوك الظل والشمس ، وانتزع منه جزء سماه : عصر البطولة في سنار ، وطبعه طبعة انجليزية أنيقة ، وقام بتعريبه الدكتور احمد المعتصم الشيخ ، وتولت طباعته ونشره ، هيئة الخرطوم للصحافة والنشر ، في سلسلة 100 كتاب . واذ نرفعه ، عبر هذه النافذة : ثقافة وأدب ، بصحيفة سودان مورننق ، انما نأمل أن نساهم في توسيع مواعين الحوار ، الذي يدور هذه الأيام ، حول الهوية ، وعلاقة الدين بالدولة ، وقضايا المواطنة ، وما الى ذلك ، مما يتناوله بعضهم بلهوجة وغوغائية ! سيما وأن كثيرا من الناشطين السياسيين ، على الساحة الان ، ممن قدموا من المنافي الغربية ، خاصة المنافي الأميركية ، ويمثل هذا الجزء المنشور من البحث ، في الانكليزية والعربية ، وجهة نظر اميركية صميمة . فمراكز البحوث والدراسات ، في الغرب عموما ، لا تمول مثل هذه الابحاث ، الا لخدمة اغراض دولها وشعوبها . ولا بد من الاعتراف ، بادئ ذي بدء ، بالجلد والمثابرة ، اللذان تحلى بهما السيد اسبولدنق ، بشهادة كل من التصق به من الاساتذة وطلاب الدراسات العليا ، بجامعة الخرطوم .والواقع أن هذا ديدن كل المستشرقين الذي درسوا ونقبوا في ثقافة وحضارة وتاريخ الشرق عموما .وقد بدأ السيد اسبولدنق رحلته البحثية من القاهرة ، واجتمع الى الاستاذ الشاطر بصيلي عبدالجليل ، وهو من المهتمين بتاريخ السودان ، بل هو من حقق ونشر ، مخطوطة كاتب الشونة . وانظر كيف ينوه اسبولدنق ، بل يحتفي احتفاء شديدا ، بكاتب الشونة ، يقول : ” وتسعى هذه الدراسة ، الى فرض النظام والترتيب ، على شتات متنوع ، من المصادر التاريخية ، لهذه الحقبة . ونستهدي في هذا الشتات والتنوع ، بحكمة احمد بن الحاج ابوعلي ، كاتب الشونة ، أحد الاباء المؤسسين ، للتأليف في تاريخ السودان ، اذ قال : وسنذكر ذلك ان شاء الله ، تفصيلا واجمالا ، على حسب ما عرض على المسامع ، من غير ترتيب ، لأني لم أره مرتبا ، بل حكايات واردة ، ولم تخل من التقديم والتأخير ، والتبديل والتغيير . ) . ثم رست سفنه بجامعة الخرطوم ، حيث أرز الى ارباب علم التاريخ ، من كبار الأساتذة : محمد ابراهيم ابوسليم ، ومحمد عمر بشير ، ومحمد سعيد القدال ، وعبدالله علي ابراهيم ، واحمد المعتصم الشيخ ، وغيرهم كثير ، كما استعان بطلاب الدراسات العليا . وانتهى به المطاف ، الى سياحة في سنار وسنجة والروصيرص واعالي النيل الازرق ، حيث ما يزال هناك احفاد للفونج والهمج . وهذا الجزء المختار من رسالته ، لا شك أنه قد خضع لاختيار دقيق ، وانتقاء متعمد ، اما الرسالة — الأم — فهي من ( المضنون به على غير أهله ) ! وهذا كله من حق الدارس الهمام ، ومن حق الجهة التي ابتعثته ، ورعته وانفقت عليه . والعصر الذي يسميه : عصر البطولة في سنار ، يقع بين عامي 1650 /1750 ، يعني بعد قيام السلطنة الزرقاء ، بقرابة القرن ونصف القرن ( 145 سنة ) ، اذ قامت السلطنة الزرقاء في عام 1504 أو 1505 ، وقبيل نهاية هذه السلطنة ، بأقل من القرن ( 71 سنة ) ، اذ سقطت في يد اسماعيل بن محمد علي سرششمة ، في عام 1821 . والمؤلف الهمام يقسم كتابه هذا ، الى ثلاثة أقسام : $ القسم الأول : العهد النوبي ، وهو عهد حكم الفونج ، او النوبة المسلمين . $ القسم الثاني : عهد الطبقة الوسطى الجديدة ، الاستعراب ، ورجال الدين ” الفقراء ” ، والتجار ” جلابة وخواجات ” . $ القسم الثالث : عهد الهمج ، البرجوازية ، وأمراء الحرب المتضررين من هذا الوضع ، أو وطاويط التخوم . وهذا التقسيم ( افتراضي ) ، حتى لا أقول ( اعتباطي ) ! أملته على المؤلف ، قد يكون دوافعه الشخصية ، او دوافع من ابتعثوه ، وقد يكون الامران معا . ويجب على قارئ البحوث والكتابات الغربية ، ألا يقع في أحد محذورين : حسن النية ، وسوء النية ! فمن حسن النية ، رفع مشكاة : المنهجية والبحث العلمي ، وما الى ذلك من التعلات ، فالقوم اهل المنهج العلمي ، بلا ريب ، بيد أنهم يلوون به ألسنتهم وأقلامهم ، متى اقتضى ( السياق ) ذلك لا جرم ! وهذا حقهم الذي لا يماريهم فيه أحد ، ولكن يبرز هنا المحذور الثاني ، وهو سوء النية ، حيث ينبغي أن نستل السم ، الذي يدسونه ، بعناية تامة ، وكفاءة واقتدار . نستل هذا السم بغير تعصب ، ولا اهتياج . فليمارسوا حقهم في توجيه دراساتهم ، الى ما يخدم اغراضهم ، ويحقق ماربهم ، ولنتسلح نحن بالوعي — العلمي — اللازم ، لنتفادي الوقوع في أحابيل أغراضهم ، ان لم أقل اهوائهم . وقد وردت ثلاث شهادات بحق هذه الدراسة ، او هذا الجزء المنشور من الدراسة : الشهادة الأولى ، من الهيئة الاستشارية ( الناشرون ) ، في مقدمتهم القيمة ، وذلك حين عرضوا لدوافع المؤلفين في التاريخ السوداني ، وعددوها بقولهم : منها ما هو بسبب عداوة مستحكمة ، بين الكاتب وموضوعه ، او ناشئة عن تصورات خاطئة ، ومقدمات عقيمة ، وافتراضات باطلة ، فتورده لا محالة ، موارد الخطأ ، ان لم يكن الخطيئة . ومنها ايضا ، دراسات يفترض في كتابها حسن النية ، ولكن سقم الأدوات المنهجية ، وعوار المداخل البحثية ، مع قلة الزاد ، وشح المحصول المعرفي ، يسوقها في غير هوادة ، الى تلك النتيجة السالفة ، فالنتائج محكومة ابدا بمقدماتها ، ومشروطة برباط لا فكاك منه ، بمناهج البحث ، وأدوات البحث……والنوع الثاني من النازلين لحقل الدراسات السودانية : الذين دخلوا بتواضع العالم الممحص ، والذي اتخذ للأمر عدته ، فلم يهجم عليه بجهالة ، ولم يورط نفسه بافتراضات ممجوجة ، او احكام مسبقة ، ثبت بطلانها ، وعفى عليها الزمن ، بل طلب العلم من ابوابه ، وانتظر حتى استحصدت معارفه ، واستقام له منهجه ، ثم اقدم على الأمر ، فكان نتاج عمله ، خيرا على حقل الدراسة المعين ، حتى صار بعمله هذا ، من الممدوحين ، مع أنه لا يخلو عمل — أيا يكن — من مغامز وهنات ، هنا وهناك ، لكنها مغامز وهنات ، تثبت قيمة العمل وجدواه ، ولا تنتقص من الجهد الأكاديمي المبذول …..وعدوا المؤلف من هذا النوع الثاني )….وهي شهادة رفيعة ، من علماء أجلاء ، اتفقنا معهم فيها او اختلفنا . $ الشهادة الثانية ، من الدكتور احمد المعتصم الشيخ ، معرب هذا الكتاب ، ولابد لكل منصف من ان يعترف بالجهد الجهيد ، الذي بذله في عمله الطيب هذا ، وتحس بعاطفة دافئة تربط الرجل بالكاتب والكتاب ، تحسها في قوله بأن هذا الكتاب : عصر البطولة في سنار ، يمثل واحدا ، من أهم ما كتب الى الان ، عن حقبة الفونج في السودان ، وسلطنة سنار ، وتحديدا عن قرن التغيرات الكبرى فيها ( 1650/1750 ) ، وهي تغيرات ألقت بظلالها ، على مجمل المجتمع السوداني ، منذ ذاك والى الان . $ واما الشهادة الثالثة ، فهي شهادة المؤلف نفسه ، حيث يقول : ويبقى القول بأن الاراء ، التي عرضت في هذا الكتاب ، هي مسؤولية المؤلف وحده……وهي شهادة لا تخلو من الفخر بصوت عال ! ونقف مع المؤلف ثلاث وقفات ، رأيت انها تستحق المناقشة ، ان لم أقل المراجعة : الوقفة الاولى ، عند هذا القرن ، الذي سماه المؤلف ( قرن البطولة ) ، وهو القرن الممتد بين ( 1650/ 1750 ) ، وهو يغطي الفترة ، بين حكم السلطان أرباط بن بادي سيد القوم ( 1629/1658) ، والسلطان بادي ابي شلوخ ( 1742/1782 ) ، وهو يتحدث عن اسم بادي كأنه يتحدث عن شخص واحد ، في حين أنهم اربعة اشخاص : اولهم بادي سيد القوم ، وثانيهم بادي ابي دقن ، وثالثهم بادي الأحمر ، ورابعهم بادي ابي شلوخ . ويقع مبتدأ عصر البطولة ، كما يسميه المؤلف ، في عهد بادي الأحمر ، واسمعه يقول : ( كان سلطان سنار ، في العام 1700 ميلادي ، وهو بادي الثالث — الاحمر — ، وكان مقتدرا ، ولكن ليس في مثل اقتدار سلفه ، الذي حمل الاسم ذاته ، ( بادي الثاني ابي دقن ) ، قبل عقدين من الزمان ، والذي روي أنه كان ، أذكى رجل في السلطنة ، وفضلا عن قدراته ، كان انسانيا ، في معاملاته ، مع الخاصة والعامة ….. ) ، فلماذا يكون عصر البطولة ، ابان حكم بادي الثالث الاحمر ، وليس في عهد سلفه — العظيم — بادي الثاني أبي دقن ! الوقفة الثانية ، ان المؤلف الفاضل ذكر ان السلطان بادي الثالث الاحمر ، هو ابن الأودية ، ليثبت ان توارث الملك عند الاونساب ، يتم عن طريق الأم ! وليس الأمر كما ذهب اليه ، اذ أن السلطان بادي الثالث الاحمر بن اونسا الثاني بن ناصر بن أرباط بن بادي الثاني سيد القوم بن عدلان بن بن اونسا الاول بن طبل بن عبدالقادر الاول بن عمارة دونقس ، أما ابن الأودية ، فهو السلطان العاشر ، عدلان ولد اياء ، او اية ، أو أودية ، وهو عدلان بن اونسا الاول بن طبل بن عبدالقادر الأول بن عمارة دونقس . الوقفة الثالثة ، عند اسم ( الأونساب ) ، الذي بنى عليه المؤلف الفاصل ، اسطورة التوريث الأمومي ، عند الفونج ! والاونساب ، نسبة الى اسم أونسا ، وهو اسم لعدد من الملوك ، في السلسلة الفونجية ، تبدأ بأونسا الاول ( 997/1009 ) ، وتستمر في عدد من احفاده ، حتى تصل حفيده أونسا الثاني ( 1088/1100 ) ، وتستمر في عقبه حتى تصل ، الى حفيده اونسا الثالث ( 1127/1130) . وأخيرا ، وليس اخرا ، فان هذا الكتاب ، مما يجدر بكل مثقف ، غيور على سبر غور المشكلات الراهنة ، في بلادنا العزيزة ، ان يقرأه ، بل يمعن في قراءته ، مثنى وثلاث ورباع .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى