اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب: المولد.. مشاهد وشواهد

@مشاهدات من الرقراق

انه خير زمان ، وانه خير مكان ، فهذا اليوم من الزمان ، ان لم يكن خير يوم ، فهو من أيام الخير ، الاثنين ، الثاني عشر من ربيع الاول ، ومن خيرية هذا اليوم ، ان العذاب يخفف على ابي لهب ، لأنه اعتق جاريته ثويبة ، فرحا ، حين بشرته بميلاد طفل ذكر لأخيه عبدالله . وبرزت في هذا اليوم شهادتان ، من امرأتين ، الشهادة الاولى من الشفاء ، ام عبدالرحمن بن عوف ، القابلة ، قالت حين وقع بين يدي ، من بطن أمه ، استهل متبسما ، في حين أن كل طفل وقع بين يدي ، من بطن امه ، من قبل ، كان يستهل باكيا . والشهادة الأخرى ، من امنة بنت وهب ، الأم ، شهدت بأنها من يوم حملته ، الى يوم وضعته ، لم تشعر بما تشعر به النساء حين يحبلن ، من الثقل والوحم والوخم ، وقالت انها حين وضعته ، رأت نورا يخرج معه ، أضاء ما بين مكة والشام ، وأنها رأت قصور بصرى . وكانت امرأة ثالثة ، قد شهدت بهذا النور ، قبل ذلك بتسعة أشهر ، انها فاطمة بنت مر الخثعمية ، ابنة احد سادات البادية ، ابتنى لابنته هذه ، قصرا قرب الكعبة ، وملأه خدما وحشما ورياشا ، قالت الخثعمية : اطللت مه طاقة لي على الكعبة ، فرأيت عبدالله بن عبدالمطلب ، متوجها الى الكعبة ، ليطوف تبركا ، قبل دخوله على عروسه امنة بنت وهب ، فما راعني الا نور ، لا تخطئه العين ، يتلألأ على جبينه الوضاء ، فطلبت من بعض خدمي ، أن يقفوا له في طريقه عند منصرفه من الكعبة ، ويأتوني به . فلما جاءوني به ، ونظرت اليه من قريب ، فاذا النور يتلألأ على جبينه الوضاء ، كما رأيته من بعيد ، فخطبته لنفسي ، وهو يعلم أنني ابنة سيد البادية ، ويعلم أنني أعلم أنه ابن سيد مكة ، فاستمهلني الى الغد ، فأنظرته ، فلما كان من غد ، أتاني وفاء بوعده ، ولكنني افتقدت النور الذي كان يتلألأ على جبينه الوضاء ، وأيقنت ان ابنة وهب قد فازت به ، فصرفته اذ لم تعد لي به حاجة . وهذا العام ، عام 572 للميلاد ، عام الفيل ، من خير الاعوام ، انه الذي نجا فيه الله بيته المحرم ، من بطش ابرهة الحبشي ، وكان ابرهة بعد ان غزا اليمن ، ابتنى كنيسا ضخما فخما ، ورجا ان يحول العرب ، من الحج الى مكة ، الى كنيسه هذا ، ولكن العرب لم يتركوا مكة وكعبتها ، ولا توجهوا الى كنيسه الفخم الضخم ، فغاظه ذلك أشد الغيظ ، ولكن الذي اشعل نيران غضبه ، أن احد الاعراب حل مئزره ، وتغوط وبال في باطن الكنيس ، فأقسم ان يهدم الكعبة ، وقاد جيشا جرارا ، يتقدمه فيل ، وكان عبدالمطلب سيد مكة ، قد أعلم قومه بألا طاقة لهم بقتال ابرهة ، وطلب اليهم ان يحازوا الى جبال مكة وشعافها بأطفالهم وحريمهم ، وجاء الى سوح البيت الحرام ، وجأر بالدعاء : اللهم ان الرجل يدفع عن بيته ، فادفع عن بيتك ، فلما اراد الانصراف أعلم بأن جنود ابرهة ، قد استاقوا ابلا له فيما استاقوا من انعام المكيين ، التي وجدوها بأرباض مكة . فذهب الى ابرهة ، وطلب منه ان يعيد له ابله ، فقال للمترجم قل له : ظننت جئت تحاجنا فيما قدمنا له من هدم كعبتكم ، فقال عبدالمطلب عبر المترجم : جئت اطلب ابلي ، وللبيت رب سيحميه . وقد حماه بأن ارسل على قائد جيش الفيل ، المتجبر ، اضعف مخلوقاته ، بأضعف سلاح : طيرا ابابيل ، رمتهم بحجارة من سجيل ، فجعلتهم كعصف مأكول . وهذا القرن ، السادس الميلادي ، كان من خير القرون ، ألم يقل الصادق المصدوق — بأبي هو وأمي — : خير القرون قرني . انه القرن الذي اشرقت فيه شمس الله ، على الدنيا كلها ، وليس على الغرب فقط ، كما قالت سنجريد هونكة . وهذا المكان ، من خير الأماكن ، واد غير ذي زرع ، عند بيت الله المحرم . واثقب بنظرك جدار القرون ، لتر ذلك الشيخ الجليل ، ابونا ابراهيم الخليل ، يصطحب زوجته الشابة هاجر ، وطفله الصغير اسماعيل ، الى هذا القفر الكتوم ، ويضع لهما قربة ماء ، وشئ من تمر قليل ، وما راع الزوجة الشابة ، الا انصراف الشيخ ، كأنه تركها وابنها في قصر منيف ، فنادته في وجل : الى من تتركنا يا ابراهيم ؟ فيجيبها الشيخ ولم يلتفت : الى الله . فيسكن روعها لساعته ، وتتمتم في يقين : رضينا بالله . ومن ههنا ابتدأت الملحمة العظيمة ، ملحمة التوحيد ، وهداية البشرية . نبعت مياه زمزم من تحت يدي وقدمي الطفل الذي كان يحبو ، وهو يبكي من العطش ، بعد ماء القربة التي تركها الشيخ ، والام المشفقة الولهى وهي تصعد الصفا ، ثم تهبط جارية ، حتى تأتي المروة فتصعدها ، عساها تنظر من ينجدها وطفلها الذي يتضاغى من الظمأ ، ثم تأتي اليه لتطمئن على حاله ، فترى الماء ينبع من تحت يديه ورجليه في حبوه ، فتجثو وهى تجمع الرمل لتحوش به الماء ، وتتمتم : زمي زمي ، أي تجمعي تجمعي ، فيولدها من حدائها هذا اسم زمزم ، الماء الذي لم يجف ولم ينضب ولم يتغير طعما ولا لونا ولا رائحة ، منذ قرون سحيقة ، وما يزال ، وسيظل باذن الله ، الى ما شاء الله . وحلقت فعلمت جرهم اليمنية ان ثمة فجاءت ، تستأذن ام اسماعيل الجوار ، فتأذن الام الشابة ، ويولد المجتمع الذي منه ، سيخرج هادي البشرية الى سراطها المستقيم . ويأتي الاب الشيخ ، ويرفع هو وابنه الشاب اسماعيل ، القواعد من البيت ، ويناجي ربه في خشوع : فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم ، وارزقهم من الثمرات .وقد استجاب ربه دعاءه ، وهانتذا ترى رأي العين ، فاقلب البصر هل ترى من فطور ، طفلان : اسماعيل ومحمد ، وامرأتان : هاجر وامنة ، ابتداء وانتهاء الملحمة العظيمة ، فهل نتعشم بنفحات هذا اليوم الطيب المبارك ، ان يرفع الله جلا وعلا العذاب عن النساء المعذبات ، والاطفال المعذبين ، بنيران الحروب والمجاعات والتشرد والهجرة القسرية ؟ لعل وعسى ، ونحن نشدوا مع امير الشعراء ، شوقي ، في نهج البردة : $ اذا خفضت جناح الذل أسأله…..عز الشفاعة لم أسأل سوى أقم $ وان تقدم ذو تقوى بصالحة ….. قدمت بين يديه عثرة الندم $ لزمت باب أمير الأنبياء ومن ….. يمسك بمفتاح حبل الله يعتصم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى