اعمدة ومقالات

كتب.. عبدالله ابوعلامة ماذا تريد منا أميركا ؟ 2/2

وجاء المعذرون من الأعراب ، يتشادقون ويتفيهقون ، يمضغون الكلام ، ويجترونه ( يصقعون الجرة ) ، قالوا : ان الخرطوم قد تحللت من لاءتها الثلاثة ، التي رفعتها في سمائها ، قبل نصف قرن من الزمان ، ويزيد ثلاثة اعوام ، فاذا قيل لهم ارجعوا وراءكم ، فانفروا ثبات ، او انفروا جميعا ، قالوا لا طاقة لنا اليوم ب ( ترمب وجنوده ) ، ثم ان الجامعة العربية ، التي اقتلعت رايتها من القاهرة ، ورفعتها في تونس الخضراء ، استنكافا من ان ترفرف رايتها ، في ذات السماء التي ترفرف فيها راية اسرائيل ، ها هي تعود وترفع رايتها ، في سماء القاهرة ، التي ترفرف فيها راية اسرائيل ! والفلسطينيون — اهل الجلد والرأس — ، ألم يعقدوا اتفاقية سلام مع اسرائيل ! كبرت كلمة تخرج من افواه المعذرين وغير المعذرين ، من العرب والعجم . فلاءات الخرطوم ، غرست في جرح غائر حتى العظم ، ولذلك فلن تنتكس ، اذا قال الناس لأهل الخرطوم : ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، وشعارهم دائما : حسبنا الله ونعم الوكيل ، وواثقون ابدا بأنهم ينقلبون بنعمة من الله وفضل ، لن يمسسهم سوء .فيوم السابع من يونيو عام 1967 ، حين اعلن المحجوب ، رئيس الوزراء ، قطع العلاقات مع بريطانيا والمانيا واميركا ، من داخل البرلمان ، انما كان يلبي اشواق جماهير شعبه . ويوم قام المحجوب والهندي الى القاهرة ، للاشتراك في مؤتمر دول المواجهة ، انما كانا يضغطان بأيديهما على جرح شعبهما . ويوم ان ذهب المحجوب والهندي وبشير محمد سعيد وخليفة عباس العبيد ، للمشاركة في مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة، للعدوان الاسرائيلي ، انما كانوا يرممون شقوق البيت العربي ، الذي ضربه زلزال الهزيمة الماحقة الساحقة . ويوم ان استقبلت الخرطوم ، الفقيرة العفيفة ، ملوك ورؤساء وامراء ، الدول العربية ، انما نفخت فيهم جميعا ، روح الصمود ، وروح المقاومة ، والتي لولاها لما كانت حرب رمضان ، ولا نصرها الجزئي ، بعد ذلك بسنوات . لاءات الخرطوم ثابت ، وسواها المتغيرات ، وهاكم حيثيات ذلك : كتب الشريف حسين الهندي في مذكراته : كان المناخ في أميركا معاديا ، والرأي العام معبأ ضد العرب ، بطريقة لا يمكن وصفها ، وكانت وسائل الاعلام ضدنا ، والشارع ضدنا ، حتى ان رجال الأمن ينامون معنا ، في أماكننا ، خوفا علينا ، وكنا نلتزم اماكننا طوال الوقت ، واتصل بي يوما بشير محمد سعيد ، عضو الوفد ، ونقل الي رغبة السفير الاميركي السابق ، في الخرطوم ، مقابلتي ، ولم أر ضيرا في ذلك ، وتحدد اللقاء ، في منزل القائم بالأعمال السوداني ، وفي الموعد المحدد ، حضر السفير الاميركي السابق بالخرطوم ، وحضر اللقاء القائم بالأعمال في واشنطن ، وخليفة عباس العبيد ، وكيل وزارة الخارجية ، وعضو الوفد . كنت هادئ الاعصاب ، ولكني لاحظت منذ اول وهلة ، ان السفير السابق ، كان متحفزا وهائجا ، بل عصبيا ومتفجرا ، وتحدث قائلا : كيف تجرؤون ، على قطع العلاقات ، مع دولة عظمى ، تستطيع أن تلتهمكم ، في أقل من ثانية ! الأفضل لكم ان تعرفوا حجمكم ، وان واجبكم اعادة العلاقات فورا ، اذا أردتم استقرارا ، أو بقاء في الحكم ! ولاحظت أسلوب التهديد ، ولهجة التعالي والتحدي ، بل الارهاب ، ولكنني تمالكت نفسي ، وقلت في هدوء تام : لا يمكن أن نعيد العلاقات ، واذا كانت اسباب قطعها غير كافية ، قبل ذلك ، فان الذي رأيناه وسمعناه ، من شعبكم وحكومتكم وصحافتكم واعلامكم ، بعد حضورنا الى هنا ، يجعل من المستحيل ، على أي عربي ( له ذرة من كرامة ) ، يحرص على أي علاقات معكم ، فضلا عن عن اعادتها ، وقضيتنا في هذا المنعرج الخطير . قال في عنجهية وكبرياء : انكم سترون ، ما الذي سيجره ، عليكم ، هذا الموقف ، ويومئذ فلن يبكي أحد عليكم . وقد رأينا طبعا ، انقلابين عسكريين ، ضد الديموقراطية ، وحصار اقتصادي لا شبيه له ، وفصل لجنوب السودان ، وحرب في كل اطراف البلاد ، او ما سمي بشد الاطراف ، والان :وعود عرقوب ( في مصفوفة الستة ) ، بشرط التطبيع ، وكله سراب بقيعة ، يحسبه الظمان ماء ، حتى اذا جاءه لم يجده شيئا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى