اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب: لا… لا… لا.. وسطعت الخرطوم الجميلة ٤_٤

مشاهدات من الرقراق

.كانت امكانات بلادنا ، لمثل هذه المؤتمرات قاصرة ، ولم تكن في مستوى القاهرة او الرباط مثلا ، ولكننا كنا نعتقد ، أن هذه : اجتماعات حرب ومحنة ، وانها يمكن ان تجتمع في مخيم ، وأن المناخ السياسي والشعبي هوالأولى والأسبق ، وان واحات الدعة والرفاهية ، ليست لها الأسبقية ، وان التقشف والشظف من مقتضيات الموقف ، وان امكاناتنا المتواضعة — مضافا اليها حرارة شعبنا — هي رأسمالنا ، وأنه ليس هناك من يعتقد ، أنه سيجد في الخرطوم ، قصور القاهرة والرباط والرياض ، ولا تقاليد بلاطاتها ، ولا بروتوكولات اجتماعاتها ، وأنه ليس لدينا ما نقدمه او ندعيه ، غير امكاناتنا المعروفة المتاحة ، ولا داعي لبناء مدن للاجتماعات ، او فيلات ، وليس هناك سبيل ، لادعاء امثالنا للرفاهية ، وصنعها وتقديمها ، والاهتمام بها ، فلسنا بلدا سياحيا ، ولا بلدا عريقا في تقاليد القصور والملوك والضيافات . وكنا نعتقد صادقين ، أن عرب النكسة ، يستحقون ان يجتمعوا في الغابة ، وفي عرائش ( القصب )، وفي الصحراء ، وفي صخائم البدو ، لكي يتنفسوا جو الهزيمة ، ولكي يعايشوا جو المرارة ، وهذا ما سيجدونه في الخرطوم ، فان لم يكونوا على استعداد لاحتماله ، فلن يكونوا على استعداد للنهوض من واقع الهزيمة ، والتطلع الى مشارف النصر الصعب . ونحن ليس لدينا ما نقدمه غير : حيادنا…وشجاعتنا…ومبادرتنا . وكنا نرد على كل من يقول : كيف ستعقدون مثل هذا المؤتمر ؟ أين قصوركم ؟ اين فنادقكم ؟ اين قاعات اجتماعاتكم ؟ اين سياراتكم ؟ كنا نرد عليهم بالمثل السوداني : ” عيب الزاد…ولا عيب سيده ” . اننا سنقدم ما لدينا ، وهو حتما يكفي ويفيض ، لكل من يريد ان يسترد شرف أمته وكرامتها ، والحاجة الملحة الان ، ليست للقصور ، ولا للفنادق ، فقد سبق وتمت فيها اجتماعات ومؤتمرات ، وسمعت صياغات ، وكانت كلها باطلا وقبض الريح ، أما مؤتمرنا هذا ، مؤتمر الخرطوم ، فهو : مؤتمر حرب ، ومؤتمر نكسة ، لا بل هزيمة ساحقة ماحقة ، وهو ايضا : مؤتمر احياء وصمود ، وليس مؤتمرا استعراضيا لمسرات السياحة . وكتب سفير ( عربي ) يومها ، للملك فيصل ، قال : ليس في فنادق الخرطوم غرفة ، تستطيع أن تمد فيها رجليك ، وارجو ان تقبل ضيافتي في السفارة . ورد عليه الملك فيصل : ألا يمكن ان ننصب خيمة خارج الفندق ؟ وأطلعنا الملك ، ضاحكا من هذا الهراء ، قبل حضوره للمؤتمر . وقد استطعنا ، بجهد اشرفت عليه بنفسي ، ان نخرج مؤتمرا ناجحا ، بكل المقاييس ، اقامة وضيافة واداء ، يساوي ، ان لم يفق ، مثيلاته من المؤتمرات ، التي عقدت ، في عواصم عريقة ، في العالم العربي . كنا نعرف ، أن كل قصور او عجز ، في اي مستوى ، سيملؤه شعبنا : بحرارته وحماسته وكرمه ، بحسن استقباله وأصالته وعروبته . وهو عين ما حدث فعلا ، وما تحدث عنه العالم ، وما اشادت به كل اجهزة الاعلام العالمية . لقد كان الشعب السوداني ، بديلا : للقصور الشامخة ، وبديلا للفنادق الناعمة ، وبديلا للسيارات الفارهة ، بل كان بديلا لكل الملامح المظهرية ، وكل النماذج القشورية ، فقد شمخ يومها ،عملاقا غطت شجاعته وبطولته ، على كل قصور ، وتعالت هامته فوق كل عجز ، وسطع محياه البديع دون كل مظاهر الفخفخة والبذخ . وسطعت الخرطوم ، الجميلة ، الاصيلة ، المتواضعة ، فوق كل عاصمة ، وسيطر شعبها الصادق البهي ، على كل المواقف ، وامتلك أحاسيس الملوك والرؤساء والامراء والوفود ، بل عيون وافئدة كل العالم . فلم يعد احد ينظر الى غرفة ، او يفكر في وليمة ، او يتأمل في فندق ، او حتى يحس بأدنى قصور ، ان كان هناك قصور . ومما ادهش العالم ، واغاظه غي ان ، انه لم تكن هناك اجراءات امنية ، مخففة ولا مشددة ، لأن الشعب السوداني أمن الموقف ، احتفى بالملوك والرؤساء والامراء والوفود ، على قدم المساواة ، وبذات الحضور والحرارة ، في ديموقراطية وألفة ومحبة ، سيطر على كل الشوارع ، فأضحى هو : المأوى والمأكل والمشرب والأمن والأمان والضمان والحارس ، وجعل جميع الحضور ، قادة واعضاء وفود ، عربا وعجما ، يعايشون بل يعيشون ، هذا المناخ من الحميمية والصفاء والوداد ، حتى انتهى المؤتمر ، واصبح التناقض الرئيس هو : المقارنة بالمؤتمرات ، التي لا يرى فيها الملوك والرؤساء والأمراء ، رجل الشارع ، بل يرون الجندي المدجج بالسلاح ، والغرف الموشحة بالرياش ، وقوائم الطعام الطويلة المتخمة ، ولكنهم معزولون عن رجل الشارع ، النبض الحي للشعب المضيف . لقد رأى الملوك والرؤساء والامراء ، في الخرطوم ، شعبا عربيا أبيا ، اصدروا قراراتهم التاريخية — والتي لم تتكرر قط — وهذا الشعب بينهم ، يلهمهم ويوحي لهم ، تناسوا بل نسوا منافساتهم ومباغضاتهم وتناقضاتهم ، استردوا ثقتهم ، وابصروا مصيرهم ، وشاركوا شعوبهم المصير ، لأول مرة ، في رحاب الخرطوم الجميلة ، التي سطعت شمسا ، طردت الضباب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى