اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب :لا…لا…لا… نركب الجمال 3-4

مشاهدات من الرقراق

حكى الشريف حسين الهندي : وفي الطائف التقينا بالملك فيصل ، كان غاضبا ومهتاجا ، يكبح جماح ثورته بهدوئه الطبيعي ، وطول باله ودبلوماسيته ، وعراقة عمله في السياسة الدولية ، التي تمتد الى عشرات السنين ، وتحمله للعديد من الأزمات والانتكاسات ، وكانت ( القدس ) في ذروة غضبه ، وقمة حزنه ، مع الهزيمة واثارها . شرحنا له مادار في هيئة الأمم المتحدة ، وفي مؤتمر دول المواجهة — الذي لم يحضره — باستفاضة وبكل التفاصيل ، وكان عليما بأكثرها ، واشترك معنا في التحليل واستنباط الحلول ، ولم نأخذ وقتا في اقناعه ، بوجوب انعقاد مؤتمر للقمة ، وضرورة حضوره له . كان حاضرا ، ومحضرا نفسه ، لا للمؤتمر وحضوره ، بل لكل ما يزيل اثار العدوان ، ويبدد انعكاسات الهزيمة ، ويدعم مناخ الصمود . كانت مشاعره العربية أقوى من كل الرواسب ، وكان تأثره بالموقف أكبر من أي شئ اخر ، وبدا كأنما نسي كل ما كان يدور ، في المنطقة العربية ، قبل الخامس من يونيو ، بدا مستعدا للتعاون والى أبعد الحدود ، كأنما كل شئ قد تغير بعد 5 يونيو ، وكأنما 5 يونيو هي البداية ، وكل ما قبلها خواء وفراغ . وساورنا شعور بالاطمئنان والاعجاب ، وفجأة علا صوته في ثورة هادئة : ان الروس يجب ان يدانوا في المؤتمر ، انهم سبب كل هذا — وقد اخبرتكم الف مرة ، ان الصهيونية والشيوعية توأمان ، ترعرعا في بيت واحد ، وينهجان سلوكا واحدا ، ويهدفان لغاية واحدة ، فلا بد أن نحدد موقفنا منهما ، في وقت واحد ، وبقدر واحد . وكان ردنا واضحا ومنطقيا : مهما كان موقف الروس ، فان هذه المعركة ليست معركتهم ، انها معركتنا نحن العرب ، ومصيرنا ومصير أجيالنا ، فلا يمكن أن نحمل عبئها ، تاريخيا ، ولا حاليا ، لأحد ، وان فعلنا ، فلن يصدقنا أحد . لقد قدم الروس كل ما طلب منهم من أسلحة ومعدات ، في الماضي ، ولكنهم لن يشتركوا بجيشهم في القتال ، ولا يمكن ان يحترمنا العالم ، اذا علقنا أسباب ونتائج هزيمتنا على مشاجبهم . ان البداية الصحيحة ، أن نتحمل وحدنا ، كل نتائج الهزيمة ، ونعزز الصمود ، وستكون هذه بداية صحيحة وأمينة ، يحترمها الرأي العام العالمي . ثم اننا نحتاج الان ، وبسرعة ، وباستمرار ، للسلاح . فمن الذي سيقدمه لنا ؟ وان لم يكن لنا سلاح ، فما مصيرنا ؟ قال الملك : ألا يمكن ان ننوع ونعدد مصادر السلاح ؟ وأضاف : وسنستعمل كل امكانياتنا للحصول عليه . قلنا : ان عامل الوقت لا يسمح بذلك ، ثم ان الذين يملكون السلاح ، لن يقدموه لنا ، لمجرد الحصول على المال ، انهم احرص على أمن اسرائيل من الروس ، وهذه حقيقة ، ولا بد أن نعترف بها . ومن يرفض مصدرا مضمونا ، مستعد لشحن السلاح الان ، ويفكر بمصادر مجهولة ، ان لم نقل رافضة بل ومتامرة . ونحن والعالم كله ، على علم بكل ذلك . أطرق الملك ، ووضع يديه في لحيته ، كعادته عندما يستغرق في التفكير ، قبل ان يتخذ قرارا خطيرا . لقد كنا نعلم ان هذه اللحظات حاسمة ، في نجاح خطتنا ، وفي انعقاد المؤتمر ، ونجاحه . وبعد نصف ساعة من الترقب والتوتر وغليان الأعصاب ، التفت الينا الملك قائلا : انكم على حق ، ولكن مرحليا فقط ، وليس أمامنا الان الا السكوت ، وقد اضطرنا الزمن ، واضطرتنا الاحداث ، بقبول ما لا نقتنع به ، وقد يكون قبولك للشر مرحليا ، أفضل من قبولك لما هو أكثر منه شرا ، اننا لسنا في موقف انتقاء الخيارات ، وهذه ارادة الله ، فعلى بركته . رقصت قلوبنا من الفرح ، وبدا ذلك واضحا علينا . ثم تناقشنا في البترول ، واحتمالات استعماله سلاحا في المعركة . فقال الملك : انكم تعلمون ، أننا نعتمد على البترول في كل شئ ، حتى في أدنى ضرورات الحياة اليومية ، وهو شريان الحياة بالنسبة لنا ، ولكن…واردف باسما : قبل سنين كنا نركب الجمال ، ونأكل التمر ، وسنفعل هذا اذا اضطررنا اليه . وتوقفنا ولم نرد .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى