المنوعات

عبدالله ابوعلامة يكتب: سلامة وجدان…لا بطش سلطان

@مشاهدات من الرقراق

كما هو معتاد دائما ، طرحت ابان محادثات جوبا الاخيرة للسلام ، مسألة : علاقة الدين بالدولة ، وقد ظلت هذه القضية مطروحة ، منذ فجر الدولة السودانية ، في دسمبر 1954 ، والقضية ليست سياسية فقط ، كما تتراءى للذين لا يحسنون صنعا ! بل هي في جوهرها الثمين ، قضية فكرية من طراز ممتاز ، ولا تزال ترن في أذني ، الحوارات الفكرية الجادة ، التي دارت رحاها بين الدكتور جعفر محمد علي بخيت ، والاستاذ محمد الأمين الغبشاوي ، في برلمان مايو الاول — مجلس الشعب — عام 1974 ، ابان مناقشات مسودة الدستور — الدائم — لجمهورية السودان الديموقراطية ، وانصب الجدل حول المادة التي تتحدث عن الدين ، ولا مجال هنا لتفاصيل ذلك الحوار الثر ، ومن اراده فعليه بمحاضر البرلمان ، والجدال الذي ظل يدور في الساحة الوطنية ، بين دعاة العلمانية ، ودعاة الشريعة ، جدال عقيم ، لأنه يتناول المتغيرات ، ويهمل الثوابت ، وليته يتحول الى حوار فكري رصين . فهلا تساءل دعاة العلمانية عن معناها الدقيق عند اهلها في الغرب ، وما السياقات التاريخية التي ولدت فيها هذه اللفظة ” العلمانية ” . لقد ظهرت هذه اللفظة ابان ثورة الشعوب الغربية ، على جبروت الكنيسة ، واستبدادها بالحكم ، واحتكارها للاموال ، وبيعها الوهم ، للشعوب الغربية الراسفة في قيود الجهل والفقر والمرض ، والمسيحية ، الديانة السماوية ليس فيها تشاريع للحكم ولا المال ، وانما هي تعاليم تدعو لمكارم الاخلاق ، فالعلمانية حين ولدت ، وفصلت بين الدين والدولة ، انما كانت تعني التحرر من كهنوت الكنيسة ، وهيمنتها على الحكم والمال ، وبهذا المعنى ، وفي هذا السياق التاريخي ، تغدو العلمانية منسجمة مع مجتمعها الغربي الذي ولدت فيه ، فاذا قام من يدعو لها ، في أي مكان من هذا العالم ، فعليه يوضح للناس ، معناها ، وسياقها التاريخي ، الذي وجدت فيه ، في الغرب ، والا غدا مدلسا كبيرا ! واما دعاة الشريعة ، فعليهم ان يوضحوا لمن يدعونهم ، ان الانسان مخلوق فريد في هذه الدنيا ، خلقه خالقه وسواه وعدله ، ومنحه الحرية المطلقة في اختياراته ، حتى في الايمان بخالقه او الكفر به : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ، والمشيئة هنا مناط الاختيار ، فالايمان والكفر على كفتي ميزان ، والانسان يختار ايهما بكامل حريته ، والشريعة التي يدعون لها ، تتوقف احكامها اذا كان في الامر ما يقتضي ذلك ، فهذا عمر بن الخطاب ، الخليفة الراشد ، واحرص الناس على انفاذ ( الشرع ) ، يوقف حد السرقة ، عام الرمادة ، حين انعدم القوت وجاع الناس ، وهو هو عمر ، الذي جاءه رجل يقول له : يا أمير المؤمنين ، لقد رأيت فلانا وفلانة يتعانقان عند النخيل ! فيرد عليه في هدوء : هلا اسبلت عليهما ثوبك يا أخا العرب . وهو هو عمر ، الذي قال : لو عثرت بغلة بالعراق ، لسئلت لم لم امهد لها الطريق . ثم هذا ( ماعز ) ، وهذه ( الغامدية ) ، رجل وامرأة ، من غمار الصحابة ، يقعان في ( المحذور ) ، يزنيان ، فيقودهما ضميرهما ، الذي غشته الشهوة ، فغاب للحظات ، ثم استيقظ هذا الضمير ، فقادهما — ولم تقدهما الشرطة — الى سوح العدالة ، يطلبان هما — لا ممثل الاتهام — ان يقتص منهما ! والحاكم العادل ، الرءووف الرحيم ، الرسول الكريم ، يفتح للمتهمين ،كوة يتنسمان من خلالها نسمات التوبة ، وانت تطلع على الحوار الذي جرى بين الرسول الكريم وماعز ، لا تملك الا ان تتأكد من حرص الرسول الانسان على تحرير انسان ( ساقه ضعفه الى المحذور ) من الشعور بالاثم اولا ، ثم الوقاية من سيف العدالة ، وهذا هو الاصل في الحكم الشرعي يا دعاة الشريعة ،لا تجريم الناس ، وسوقهم الى ساحات القصاص ! وانظر الان : أتيتها حراما كما يأتي الرجل اهله حلالا ؟ اادخلت منها كالمرود في المكحلة ؟ ( أنكتها ؟ ) هكذا صريحة لا غبش فيها ، اما الغامدية ،التي يمنع الحياء ، حياء السائل وحياء المسؤول ، من طرح مثل هذه الاسئلة عليها ، فقد اختصرت ( المسافة ) بقولها : وهذه ثمرته في بطني . فيا دعاة العلمانية ويا دعاة الشريعة ، ان شعبنا قد تبين له الرشد من الغي ، فدعوه اذن يختار ، كما خيره ربه : فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى