اعمدة ومقالات

توفيق اوشي يكتب :حدث في شتاء ذلك العام

احكي لكم ما حدث بالضبط بدون زيادة او نقصان بعد حذف التفاصيل المملة و الأحداث العادية.
بعد مداهمات لمنزلنا، لا أذكر عددهم بالضبط و لكني أذكر في يومآ ما وجدوا رسالة عادية من صديق بالإغتراب و لم يجدوا فيها شيئا، و رغم ذلك اخذوا الرسالة معهم ربما لقراءة ما وراء السطور، و في إحدى المرات وجدوا كتابآ اسمه (الأدب و الثورة) او (الثورة و الادب)، لا أذكر الإسم بالضبط و لكنهم مزقوا الكتاب قائلين (الثورة عندها أدب)، و فهموا الثورة بمعنى التخريب لا البناء، و الأدب من ناحية أخلاقية (أدب ، يؤدب)، مرة اخرى إتهموني بأنني شارب قلت ليهم ( في بوليس و طبيب) و قالوا (نحنا ما بنعرف بوليس و لا دكتور) و فهمت إنهم فوق القانون و فوق كل شيء، و إصطحبوني مرة اخرى الى رئاسة جهاز الأمن و ادخلوني الى حديقة بها شجرة وريفة و نجيلة بها خلق كثير عرفتهم جميعا، و طلبوا مني ان اعد اوراق الشجر، و لم اقم بذلك، و سالوني عن أسماء زوجتي و اطفالي و قلت لهم هذا شأنآ خاص لا دخل لكم به، و لم أشعر الا بأحدهم يمسك كتفي الاثنان من الخلف، و يرفعني من الارض و لم اشعر باي الم لأنني كنت منفعلآ جدآ.
و تم نقلنا الى زنزانة فيها عددآ من الناس عرفتهم جميعآ و كان الضابط يصيح باعلى صوته ( انا بكره 3 شينات، شايقي، شيوعي) و لم يذكر الشين الثالثة لعله يقصدني بالاسم اوشي. و لم نذق طعمآ للنوم في تلك الليلة من شدة تعذيب احد غير المحظوظين و اسمه ( رحمه) يعمل فكيآ.
و في الصباح الباكر احضرت امي الشاي رفضوا إستلامه منها و اهانوها، علمت ذلك من اصدقائي في جهاز الأمن، و في وقت الفطور قام أصدقائي في جهاز الأمن باحضار الفطور لي عبارة عن قراصة بكبدة و تقاسمت الفطور مع كل المعتقلين و تم ترحيلي الى زنزانة اخرى.
و في مساء ذات اليوم و بعد إجراءات بسيطة قادنا عضو في جهاز الأمن إلى سطح المبنى به خلق كثير. و لم اعرف الكثير منهم الا بعضهم، و من الأسئلة فهمت انهم مقطوعين من العالم و نمنا في برد شديد و لم اجد سوى حمامات مبتله جلست فيها حتى الصباح.
و كان “البشير” يمر امامنا كل يوم و يصرح الى الراديو بأنه لا يوجد معتقلين في السودان. و مساء يوم تم نقلنا الى مكان اخر و لما اقتربنا منه طلبوا منا بعد اطفاء كل انوار العربة لكي لا نبصر شيئا، و استلقينا فوق بعضنا إمتثالآ لهم و لم نشعر الا بصالة كبيرة مضاءة و كان احد المعتقلين يتعثر في طريقه و قال المعتقلون ان هذا الشخص اعمى لا يبصر شيئآ و قال احد افراد الامن ( ما دام هو عميان البدخلو في الحكاية دي شنو) فدخلنا غرفة بها 2 من الوزراء السابقين من قيادة حزب الأمة.
و نقلت الى غرفة اخرى فيها الشخص الاعمى و قد كنت اساعده في كل شي و في احدى المرات كان هنالك صف طويل أمام الحمام الوحيد المخصص للمعتقلين وجدت احد المعتلقين السابقين و قد كتب بالفحم تذكارآ علقت عليه و طلب مني احد رجال الامن ان امسح المكتوب فرفضت قائل له( انا هنا معتقل ما عسكري) بعد مدة رحلت الى مكان اخر يسمونه الصندوق عبارة عن مكان ضيق ليس له نوافذ مظلم جدا و لا يوجد به اي شي في الارضية و علمت فيما بعد ان الشخص الذي نقلني الي هذا المكان قد شارك بتعذيب الدكتور علي الفضل حتى الممات.
و في داخل الصندوق وجدت شخصآ مقيدآ بالحديد و في الصباح الباكر قلت لرجال الامن اني مريض فنقلوني الى مكاني القديم.و خرجت من هذه التجربة بدروس مفادها الا اتحدث ابدآ الا نادرآ و الا اطلب شيئآ و الا اشتكي من اي الآلام حسيه او معنوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى