اعمدة ومقالات

عبدالله ابو علامة يكتب:رد الشرف…هذا الحذاء..

مشاهدات من الرقراق

قال الاستاذ عبدالماجد ابوحسبو ، في مذكراته ، الجزء الاول ، انه كان في معية الشريف حسين الهندي ، بأحد فنادق القاهرة ، في اوائل ستينات القرن الميلادي الماضي ، اذ دخل عليهما محمد مكي محمد ، وهو في أبهى حلله ، ويطفر البشر من وجهه ، وتلقاه الرجلان بالدهش الشديد ، اذ انهما يعلمان سلفا ، بأنه مطلوب بشدة من القلم السياسي المصري — اسم جهاز المخابرات يومذاك — ، وذلك لأنه — أي مكي — سرب وثيقة خطيرة ، من وثائق القلم السياسي ، تتعلق بنشاط الشيوعيين السودانيين بمصر ، مقابل مبلغ من المال ، تسلمه من عبده دهب حسنين ، المسئؤل لدى منظمة حدتو عن انشاء الحزب الشيوعي السوداني ! وصار دهب حسنين يبتز مكي لسرقة المزيد من وثائق القلم السياسي ، فخاف ان ينكشف أمره ، فهرب الى السودان ! ولكن الرجل — مكي — ، أزال دهشة الرجلين — ابوحسبو والشريف — ، حين أباح لهما بسر مهول : وهو أن وزارة الخارجية السودانية ، كلفته بنقل رسالتين سريتين كتابيتين ، من الفريق ابراهيم باشا عبود ، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، الى كل من الامبراطور هيلاسلاسي ، امبراطور اثيوبيا ، والملك سعود بن عبدالعزيز ، ملك المملكة العربية السعودية ، ينقل فيهما الفريق عبود ، الى العاهلين ، رغبة الولايات المتحدة الأميركية ، في اقامة ” الحزام العربي الافريقي ” ، لوقف المد الشيوعي، الهاجم على افريقيا والعالم العربي ، ويتكون هذا الحزام من السودان واثيوبيا والسعودية ! وقد نسق مكي مع السفارة المصرية بالخرطوم ، بأن يمر بالعاصمة المصرية ، لعرض الرسالتين على القيادة المصرية ، قبل تسليمهما لصاحبيهما ، وقد فعل ، حيث تسلمت المخابرات المصرية الرسالتين ، وفتحتهما ، واطلعت على فحواهما ، وصورتهما ، ومن ثم اعيد غلقهما ، وسلمتا لحاملهما ، بغية تسليمهما ! وهو الان في طريق الى كل من اديس والرياض ، لتسليم الرسالتين ، بعد أن ( بيض وجهه ) مع المخابرات المصرية ! وكان الفريق عبود ، حين سأله الرئيس الاميركي ، عما يحتاجه السودان من المساعدات الاميركية ،رد عليه ضاحكا : بل السودان يود مساعدة اميركا ، يا فخامة الرئيس ! وكان هذا اللقاء العجيب هو فاتحة ، ما عرف ب — المعونة الاميركية — ، والتي تمثلت في : سفلتة شارع الخرطوم — مدني ، ومصنع النسيج السوداني الاميركي ببحري ، ومصنع تعليب الفاكهة بكريمة ، ومصنع تجفيف الألبان ببابنوسة ، ومصنع تجفيف البصل بكسلا ، ومصنع الكرتون بأروما ، واقامة خزان الروصيرص في اعلي النيل الازرق . والناظر لهذه المشروعات الانمائية ، يجد انها احسن مشروعات اقتصادية نفذت في بلادنا ، من حيث اهميتها وجدواها الاقتصادية ، وم حيث توزيعها الجغرافي المتعمد ! وللمتسائلين عن هذا الكرم الاميركي — غير المعهود — يقف الجواب شاخصا في اجابة الفريق عبود للرئيس عبود : بل السودان الذي يود مساعدة اميركا ! فهل وجدت فيها الاجهزة الاميركية المختصة ، اجابة صديق — حتى لا أقول — عميل — ، مخلص — ومرة ثانية حتى لا اقول — ساذجا — ! وكانت اميركا عرضت مساعدتها على اول حكومة وطنية — حكومة الازهري — ، ولكن الاحداث اكتنفتها ، حتى اسقطت ، فلما جاءت حكومة السيدين — حكومة عبدالله خليل ، بائتلاف بين حزبي الامة والشعب الديموقراطي ، وعرضت المعونة الاميركية ، مرة اخرى ، ظهرت المزايدات السياسية : الامبريالية الاميركية ، والاستعمار الجديد ، وهلم جرا ! حتى كان انقلاب 17 نوفمبر العسكري بقيادة الفريق عبود ، وانهمرت المعونة الاميركية ، كما تقدم ، فلما قامت ما تسمى — ثورة اكتوبر 1964 – تباطأت خطوات المعونة الاميركية ، لظهور المزايدات الحزبية ، وتوقفت تماما بعد حرب يونيو 1967 ، حيث قطعت حكومة محمد احمد المحجوب الائتلافية ، العلاقات مع كل من بريطانيا واميركا ! فكانت كما يقولون : ضغثا على ابالة ! ثم كان انقلاب جعفر نميري في مايو 1969 ، احمر قاني الاحمرار ، ويمم وجهه شطر المعسكر الاشتراكي ، ولكنه لم يلبث ان خلع — جلده الاحمر — بعد انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971 ، وعاد يوادد الدول العربية المعتدلة والغرب ، وظل البرود يكتنف العلاقات السودانية الاميركية ، وان كانت ( دبلوماسية منصور خالد المرنة ) قد لينت من مواقف الدول الغربية التي تأتمر بأمر أميركا ، وعدلت مواقف البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، ولكن زعزعت بعض الايادي الخبيثة منصور من وزارة الخارجية ، وابراهيم منعم منصور من وزارة المالية ، فعاد البرود الثلجي للعلاقات السودانية الاميركية ! ثم كانت انتفاضة رجب ابريل 1984 ، وجاءت بحزب الامة و( نهج الصحوة ) ، والاتحادي الديموقراطي و( الجمهورية الاسلامية ) ، والجبهة القومية الاسلامية ، واكتساح دوائر الخريجين ، وعدد مقدر من النواب في الدوائر الجغرافية ، فازدادت العلاقات السودانية الاميركية ، برودة وتثلجا ، ولم تنل حكومات صادق المهدي الائتلافية ، دانقا ولا مليما من المعونة الاميركية ! ثم كان انقلاب الجبهة القومية الاسلامية في 1989 ، فأغلق باب العلاقات السودانية الاميركية ، الموارب ، ب ( الضبة والمفتاح ) كما يقولون ! هذا سرد — موجز — ، لمسار العلاقات السودان واميركا ، نهديه للحكومة الانتقالية ، التي وضعت ( كل بيضها في سلة اميركا ) ! ونذكرهم بأن اميركا دولة كبرى ، ومتغطرسة ، ولا تتعامل بالعواطف ، ولا حتى الدبلوماسية الناعمة ، التي تتعامل بها دول اوروبا العريقة ، ولا يؤثر في قراراتها حرق البخور ، ولا ( بوس اللحى ) ! وهاهي الاخبار تترى بأن زعيمي الاغلبية والاقلية، في الكونغرس الاميركي ، قد اتفقا على معارضة رفع اسم السودان ، من لائحة الدول الراعية للارهاب ، حتى يدفع لضحايا تفجيرات سبتمبر ! فلا مناص لنا من الاتجاه الى امكاننا الحضاري : الانسان والتراب والوقت ، لبناء قدراتنا الذاتية ، دون ان نغلق الابواب ولا النوافذ ، في وجه كائن من كان ، ولا يمنعنا ذلك من ان نردد مع دبلوماسيينا الحصيف ، وشاعرنا الرقيق ، عبدالمجيد حاج الامين ، عن حذاء الزيدي : رد الشرف هذا الحذاء !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى