اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب:  كما تحدث الخاتم عدلان

مشاهدات من الرقراق

لست أدري لماذا قفز الى ذهني ، خطاب سقراط ، الذي اجاب به على دعوة تلميذه أقريطون ، للهروب من السجن ، الذي كان ينتظر فيه اعدامه . وهذا الخطاب — كما يقول زكي نجيب محفوظ — : خطاب طويل ، ويعتبر من أسمى ما خاطب به استاذ تلميذه ، في وجوب أن يطيع المواطن قوانين أمته ونظمها ، حتى لو كان من رأيه ، أن تتغير تلك النظم والقوانين ، لأن الطاعة تظل واجبة ، الى أن يتم التغيير المطلوب ، بالطريق المشروع . وهو عين ما قاله الزعيم الأزهري : الرجل المهذب هو الذي يحترم القانون . ولا زلت محتارا في الرابط بين خطاب سقراط ، وخطاب الاستقالة الذي تقدم به الخاتم عدلان واخرون ، من عضوية الحزب الشيوعي السوداني ! ما لفت نظري في خطاب الخاتم ، الشجاعة الفكرية ، والموضوعية الصارمة ، والتهذيب الكامل في انتقاء الكلمات ، بطريقة متعمدة ، لا تدع للذاتية مجالا للعبث بالتعابير . وساقني هذا الاعجاب ، بل الانبهار ، الى ما كنت سطرته في هذه الصحيفة ، قبل اسابيع ، عما اسميته : ادب الاستقالة ، وسعدت بهذا الادب الرفيع للاستقالة ، فيما سطره احد بني جلدتي ، ورفاق له ، اعجبوني وان اختلفت معهم فكريا ! تحدث خطاب الاستقالة ، اول ما تحدث عن النظرية الماركسية ، فقال انها فقدت حقيقتها ، من خلال تغيرات الواقع ، الذي كانت تعبر عنه . ومن خلال البحث المضني ، والتأمل المتصل ، يقول الخاتم وزملاؤه ، أنهم توصلوا ، الى أن المشروع الماركسي للتغيير الاجتماعي ، انهار تماما . ولم يحدث ذلك بين عشية وضحاها ، وانما من خلال تطورات ، فكرية وسياسية واجتماعية ، امتدت لأكثر من قرن من الزمان ، ولكنها تعاظمت — على وجه الخصوص — منذ خمسينات وستينات هذا القرن . وتتبدى النزاهة الفكرية ، من خلال قول الخاتم ورفقائه : ان الماركسية ، ما تزال تحتوي على أفكار عميقة وصالحة ، لفهم بعض ظواهر المجتمع البشري ، وقد أدت خدمات جليلة للبشرية ، يمكن اخضاعها للدراسة ، والوصول الى قوانين تطورها ، وتسييرها من خلال الارادة الحرة لأفرادها ، نحو غايات نبيلة . وفي وقفة تأملية عميقة ، يشيع الخاتم ورفقاؤه الماركسية ، الى متحف التاريخ، يقولون : اننا لا نريد ان نضع ماركس على رأسه ، كما قال هو ، أنه فعل مع هيغل ، بل نريد فقط ، أن نضعهما معا ، على جنبيهما ، شأن كل الموتي ! وهذه استقالة مهذبة من الشيوعية . اما الاستقالة من الحزب الشيوعي السوداني ، فيقول الخاتم ورفاقه : ان سبب استقالتنا ، عجز الحزب عن الاستجابة ، لتحديات أكبر منه ، فخلال ما يقارب نصف القرن ، فشل الحزب ، في أن يصبح قوة سياسية ، ذات شأن ، وفشل على وجه التحديد ، في تحقيق شعاره : ( اجعلوا من الحزب الشيوعي قوة اجتماعية كبرى ) ، ولم يفشل الحزب الشيوعي السوداني في ذلك ، لأسباب عابرة ، بل لعوامل تتعلق بتكوينه : نظرية ، وبرنامجا سياسيا ، وبنية تنظيمية ، ومناهج قيادية ! كما فشل الحزب ، في بناء حلف وطني ، من القوى الحديثة ، لأنه اعتمد السيطرة ، بدلا عن التحالف والمشاركة . ولم يستطع الحزب ان يطور برامجه ، لاستيعاب القضايا المعقدة ، للتركيبة السودانية العصية . كما اتسم الحزب بالذيلية والتبعية ، وخفوت الصوت ، وعقم الخط الاعلامي ، والخزينة الخاوية ، وهذه مصادر القوة ، لأي تنظيم سياسي . والنقطة الأكثر تدنيا في مسيرة الحزب ، فشله الذريع ، في التصدي لانقلاب الجبهة القومية الاسلامية، في يونيو 1989 ، مع انه كان يعلم علم اليقين ! فبدل ان يعمد الى تعبئة كوادره لمقاومته ، وكشف سره باصابته في مقتل ، عمد الحزب الى اسلوبه المفضل ، العمل الفوقي ، باخطار مدير الاستخبارات ووزير الدفاع ! وقد يتفق الناس ، وقد يختلفون ، حول ما طرحه الخاتم ورفقاؤه ، من رؤى وافكار ، لكنهم حتما لن ينكروا عليهم : النزاهة المطلقة ، والشجاعة الفكرية الحذاء ، التي دثرت ” وثيقتهم ” الفكرية ، السياسية ، الادبية الرفيعة ، بل الفريدة في تاريخنا السياسي المعاصر . وليت افرادا ، او جماعات ، من احزابنا الكبرى ، خاصة الاسلاميين ، يتصدون لمكاشفة فكرية ، نزيهة وشجاعة ، كما فعل الخاتم وزملاؤه . ففي ذلك ، بلا شك ، تطور ممتاز ، لمسلكنا الفكري ، وتعديل مهمم ، ان لم نقل خطير ، لاعوجاجنا السياسي والايدولوجي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى