اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب .. مثالية أم براغماتية ؟

التوقيع بالأحرف الأولى الذي تم بين الحكومة الإنتقالية والجبهة الثورية ، يوم الإثنين 31/8/2020 ، يسوق المراقب للأحداث ، إلى تذكر خمس محاولات للسلام ، جرت من قبل بين ” الفرقاء السودانيين ” . اولاها واخلدها في التاريخ السياسي السوداني الحديث، مؤتمر المائدة المستديرة، الذي انعقد في النصف الأول من ستينات القرن الميلادي الماضي، وانجحها اتفاقية أديس أبابا ، التي وقعت بين حكومة مايو وحركة الأنانيا بقيادة جوزف لاقو ، واسوئها بل اخبثها، اتفاقية مشاكوس، التي وقعتها حكومة الإنقاذ مع الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق ! ومؤتمر المائدة المستديرة، دعا له نفر نير خير من اساتذة جامعة الخرطوم ، واسند امر الإعداد لواحد من انبغ اساتذة الجامعة ، الدكتور محمد عمر بشير ، وقام بتوجيه الدعوة ل ” الأطراف ” البروفيسور النذير دفع الله ، مدير الجامعة ، الجنوبيون من جهة ” حزب سانو وجبهة الجنوب، والأحزاب السودانية الموجودة على الساحة يوم ذاك ” الأمة والوطني الاتحادي والشعب الديموقراطي والشيوعيين والاسلاميين ” ، ولم تكن للمؤتمر اجندة ولا برامج ، فانتهى امره بالإستماع إلى خطب بلاغية، باللغتين العربية والانجليزية، شكا فيها الجنوبيون من ( التهميش والاضطهاد )، وطالبوا ب (الفدريشن )، ووعدت الأحزاب السياسية التي حضرت بالنظر في امر شكاوي ” الاخوة الجنوبيين ” ، حالما تحملها الإنتخابات، بعد عام الانتقال، إلى كراسي الحكم، وانفض ” المولد بلا حمص ” ! لقد ضاع هذا المؤتمر النبيل في غبار : مثالية اساتذة الجامعة الأكارم، وخواء مواعين رجالات الأحزاب السياسية ، الذين وصفهم الدكتور منصور محقا، بأنهم كأحفاد البوربون، لم يتعلموا شيئا، ولم يتركوا شيئا ! وبعد تسع سنوات تقريبا، في عام 1973، وقعت حكومة مايو، وحركة الأنانيا بقيادة جوزيف لاقو، إتفاقية أديس أبابا للسلام، وقد توفر للإتفاقية المناخ الملائم للنجاح: جهد منظمة الوحدة الأفريقية، يسندها نفوذ إمبراطور إثيوبيا ، هيلاسلاسي جيرسي، والذي جعله إتحاد الكنائس العالمي، اقوى مناصر للتمرد الجنوبي في الغرب، من جانب، ومن الجانب الآخر النظام العسكري اليساري ” نظام مايو ” ، ومهما قيل عن الأنظمة العسكرية، فانها على التقل، تملك الإرادة السياسية اللازمة، لتوقيع أتفاقية سلام، فيها الكثير من الأخذ والرد ! وقد بعثت حكومة مايو وفدا من الخبراء والحكماء، في المجالين السياسي والعسكري، ويكفي أن يذكر في هذا المقام : الدكتور جعفر محمد علي بخيت، والعميد عمر الحاج موسى. لقد مثلت اتفاقية أديس أبابا انضج وانجح إتفاقية للسلام في بلادنا، ونسأل الله عزوجل ألا تكون الأخيرة ، فقد اوقفت الحرب، وازالت الغبن التاريخي، وغرست بذور الثقة بين الشمال والجنوب ،وكفاها ذلك فخارا . ولكن…. ويا اسفاه من ( لكن ) هذه ، امتدت اليها اياد جهولة في الداخل، واياد حسودة في الإقليم، واياد خبيثة في المجتمع الدولي، فاغتالتها وهي ما تزال في المهد، ومن شاء المزيد فعليه بكتاب منصور خالد : السودان والنفق المظلم، وكتاب أبيل ألير : نقض المواثيق ! اما إتفاقية جوبا الراهنة، فهي بلا تزويق ولا تشويه: فهي لا تحمل مثالية مؤتمر المائدة المستديرة، فتنال فشل البراءة والسذاجة، ولا براغماتية إتفاقية أديس أبابا ، فتنال نجاح الإرادة الحذاء والنضج الفكري والعسكري ! والله يكضب الشينة !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى