اعمدة ومقالات

دُرّة المدائن)

بقلم: د.معزة مصطفى أحمد

تلك المدينةُ الحالمة التي تنام علي ضفاف النيل، وتستيقظ على صوت المآذن والصلوات، تقع في الإتجاه الشمالي لمدينة بحري وتمتد جنوباً الى مدينة الحلفايا وشمالاً حتى السليت، في الشريط الموازي للنيل شرقاً، يرجع تاريخُها الى مملكةِ علوة المسيحية بالآف السنيين قبل الميلاد، إذ كانت تُشكل إحدى مقاطعات دولة علوة المسيحية وتعني (cut –row) بلغة النوبة الثوب الأبيض، لوجود مصنع نسيج في تلك المقاطعة إذ توجد هذه الآثار في المتحف السوداني القومي حتى يومنا هذا.
تقطُنها حالياً القبائل النيلية من شمال السودان من (الجعليين، الدواليب، العبدلاب، الشوايقة) اللذين إمتزجوا وتصاهروا وتربطهم علاقات إنسانية أسرية مترابطة شكلت النسيج المجتمعي الحالي، ويمتهنون الزراعة والرعي منذ مئات السنيين وذلك لما تتمتع به المنطقة من طبيعة ساحرة وأرض خصبة صالحة للزراعة والرعي.
فزراعةُ الخضر والفاكهة أحد أهم الموارد الإقتصادية لإنسان المنطقة وتمثل جزء هام من ثقافته، إضافةً الى الثروة الحيوانية الضخمة، إذ يُعد مسلخ الكدرو أكبر المسالخ التي يتم فيها ذبح وتصدير اللحوم للخارج بمواصفات عالمية للعديد من الدول العربية مثل (السعودية-الإمارات –الكويت-البحرين) وغيرها من الدول، كما يربطها خط السكة حديد وتعتبر محطة سكة حديد الكدروالتي أُنشئت في عام 1927م لسهولة ترحيل الخضر والفاكهة للجيش الإنجليزي، من المحطات الرئيسة لخطوط السكك الحديدية في السودان، كما تضم عدد من المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات التي إزدهر فيها التعليم مبكراً.
يتمتع سكانها بالتعايش السلمي والترابط والتكافل، ويرجع ذلك لطبيعة إنسان المنطقة فالبعض همُ رجال دين على قدر عالٍ من العلم بإصول الفقه والسنّة يتم الرجوع إليهم في الإفتاء وحل قضايا الناس الشائكة كأمثال الشيخ عبدالله حامد وإخوته اللذين لا ينفض لهم مجلس، والبعض الآخر يجن جنونه على نوبة الصوفية بأشكالها المتعددة من طوائف الختمية والتجانية والطريقة البرهانية، إذ تضم عدد كبير من المساجد ودور العبادة، كما ينشط شبابها ليلاًبالنوادي الإجتماعية التي تُعتبر مُتنفس لمناقشة قضايا المنطقة وتبادل الثقافة والشعر والموسيقى .
أنجبت الكثير من أبناء الوطن البارين به ولهم بصمة واضحة في التأريخ السوداني، أمثال الناظر محمد السيد تمساح الكدرو الذي كان يلجأُ إليهِ في الصُلح بين القبائل في ثلاثينيات القرن الماضي، وأول جيله ومثقف زمانه الطيار عبد القادر الكدرو الذي سمي شارع المعونة بحري على إسمه، والفقيه أحمد عبدالقادر الكدرو، واللواء حسين الكدروالذي تم إعدامه من النظام البائد من ضمن شهداء 28 رمضان وغيرهم الكثير جداً.
هذا قيضٌ من فيض عن هذه المدينةِ الساحرة، التي كتب عنها الأدباء وتغنى لها إبنها الفنان الإنسان النور الجيلاني رائعته : كدراوية.
ﻳﺎ ﻃﻴﻮﺭ ﺍﻟﺮﻳﺪ ﻱ ﻗﻤﺮﻳﻪ ﻭﺻﻔﻮﻙ ﺩﺍﻳﻤﺎ ﻭﻓﻴﺔ ..
ﻃﻴﺮﻱ ﺷﻴﻠﻲ ﻣﻌﺎﻙ ﻭﺻﻴﺔ ﻭﺩﻱ ﻟﻠﻜﺪﺭﻭ ﺍﻟﺘﺤﻴﺔ ..
ﺗﻠﻘﻲ ﺯﻭﻝ ﻧﺎﻳﺮ ﺍﻟﻤﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﺒﺴﻴﻢ ﺑﺮﻕ ﺍﻟﻌﺸﻴﺔ ..
ﻭﺍﻟﻌﻴﻮﻥ ﻭﻫﺞ ﺍﻟﻬﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﺨﺪﻭﺩ ﻛﻴﻒ ﺑﻠﻮﺭﻳﻪ..
ﻗﻮﻟﻲ ﻟﻴﻬﻮ ﺑﺤﻨﻴﺔ ﺍﻟﺼﺪﻭﺩ ﺻﻌﺒﺎﻥ ﻋﻠﻴﺎ ..
ﺗﻬﻮﻥ ﻋﻠﻴﻚ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺿﺤﻴﺔ ﻗﺎﻳﻠﺔ ﺍﻳﻪ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻓﻴﻬﺎ..
ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺭﺍﻳﺤﺔ ﻓﺎﻳﺘﺔ ﺭﺍﻳﺤﺔ ﻻ ﺩﺍﻳﻤﻪ ﻟﻴﻚ ﻻ ﺩﺍﻳﻤﺔ ﻟﻴﺎ
وهي بكل هذا الجمال والتألق لم تنجو من فيضان نيلها الذي يحتضنها هذا العام، ليغسلها من دنس أيادي النظام البائد التي رحلت مخلفة خسائر من دمار كلي او جزئي للمنازل والحمدلله لم تسجل خسائر في الأرواح، فمدينة الكدرو المطلة على النيل يوجد بها ترس ترابي منذ العام 1943 يمثلُ حصن منيع للمنطقة والمباني التي تجاور النيل مباشرة، هذا الترس تمت إزالته في العام 2018 بقرار غير مدروس ولحجج واهية من اللجان الشعبية، دفع ضحيتها اليوم بعض الأهالي بمدينة الكدرو فقدان منازلهم بالكامل، وبالطبع ليست هنالك جهة للمحاسبة ولكن صفاء هذا المجتمع المتكافل ستغلب كيدكم، وقوة شبابهِ ستعيد تعمير المنازل ولكن ماذا تقولون لمن أصبح بلا مأوى، وهو يدعو ويشتكي ب”حسبنا الله ونعم الوكيل”!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى