اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة  :بل متخلفة وليس نامية

مشاهدات من الرقراق

في النصف الثاني من سبعينات القرن الميلادي الماضي ، ذهب الرئيس — الأسبق — جعفر محمد نميري — رحمه الله — ،الى الولاية الشمالية ، لافتتاح مصنع نسيج ، لأحد رجال الاعمال الوطنيين . ورافقه بجانب الوفد الحكومي ، رجل الأعمال الأشهر ، الشيخ مصطفى الامين — عليه رحمة الله — ، وهو من ذات المنطقة ، فلما استقبلهم صاحب المصنع ، وصافح الشيخ مصطفى الامين ، قال له : قربنا نلحقكم يا الشيخ ! فرد عليه الشيخ مصطفى الامين ضاحكا : ومنو القال لك نحن واقفين ليكم ! ذكرت هذه الحكاية التي رواها احد مرافقي الرئيس نميري ، وانا اقرأ لأحد اساتذتنا الكبار ، مطالعته استفتاء في مجلة انجليزية ، منذ سنوات بعنوان : ” استفتاء عالمي عن : الله والمال والسعادة ” ! وكان معهد غالوب الشهير هو الذي اجرى الاستفتاء الغريب ! وتوصل المعهد من خلال استفتائه هذا ، لنتائج صادمة ، ” افظعها ” على الاطلاق ، أن سكان اميركا اللاتينية وافريقيا والشرق الأقصى ، وهم ثلثا العالم ، يعيش الواحد منهم طوال العام ، على دخل اقل مما يكسبه العامل الاميركي — مثلا — في يوم واحد ! وهناك نتائج فاجعة اخرى ، مثل : ان سكان العالم الاول ، يحبون اعمالهم ، ولذلك فهم يجودونها ويطورونها ، بينما سكان العالم الثالث ، يكرهون اعمالهم اشد الكره ، لأنها تكلفهم من امرهم شططا ، ولذلك فهم لا يجودونها ، ولا يفكرون مجرد التفكير في تطويرها ! ومنها : ان الاغلبية العظمى من ابناء العالم الثالث ، تهاجر الى اطراف المدن ، ويتكدسون في بيوت الصفيح ، ويكتسبون عادات استهلاكية بذخية كاذبة ، ترهقهم قترة ، وتدفعهم دفعا الى السطو والقتل ، ويفتقدون تلك البيئة الطبيعية الصحية — على ما فيها من تخلف وشظف — ، وتتناوشهم امراض البيئة الجديدة الموبوءة بكل امراض اطراف المدن ، ويفتقدون التقاليد الريفية الكابحة عن السلوكيات الرديئة ! بينما يحاول ابناء العالم الاول ، الهروب من قلب المدن ، الى ضواحي هذه المدن واريافها ، بحثا عن الهدوء والهواء النقي ، وامتاع النظر بمناظر الطبيعة البكر الخلابة ، حيث ينالون الراحة اللازمة ، للمزيد من التفكير الخلاق ، ونجديد نشاطهم البدني ، للتفوق في الاعمال والانجاز ! ولا مناص للعالم — ما تقدم منه وما تأخر — من التعاون البناء بين الطرفين ، للخروج من هذا النفق المظلم ، الذي تتوه في ظلمائه ثلثا البشرية ، العالم الاول يرحم اخوانه في الانسانية ، بأن يهبهم قبسا من نور العلم ، لعلهم يصطلون ، وشيئا من خبرة ، لعلهم يهتدون ، وقليلا من تقانة ، لعلهم يتطورون . كما وعلى الناس في العالم الثالث ، ان يهجروا رجز القعود واليأس ، وان ينفضوا عنهم غبار اللامبالاة ، لينالوا العلم ، ويحسنوا العمل حتى يحبوه ، ومن ثم يجودوه ، ويطوروه ، عسى أن يلحقوا بركب اخوانهم المتسارع ، في العالم الاول ، مثلما أمل صاحب ذلك المصنع في الولاية الشمالية ، اللحاق بركب الشيخ مصطفى الامين ، الذي كان انذاك يسابق الريح ، وانتهى ، ويا اسفاه ، الان الى لا شئ ، ولله في خلقه شؤون !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى