اعمدة ومقالات

محمد عبدالقادر يكتب:القلقالة ..(فتَحَتْ عِنْدِي مَنِطقة الغُنَا الإنْسَدّ) ..!!

لعله طقس مستلف من نعيم الفراديس ذلكم الذي امتعنا في كنف مدينة ( وشيها من الملاحة يدفق)، القلقالة دخلتها و( حواشيها زمردة ) تتلبسني حالة أمير الشعراء أحمد شوقي حينما خلع نعليه على أعتاب(جلق) المقدسة ، وهو يردد ( دخلتها وحواشيها زمردة)، او مثل وقفته المشهودة على ثرى ( زحلة) جارة الوادي، (طربت وعادني) – بالتاكيد- ما يشبه الأحلام من شجن في دمي أكنه للناس والأماكن.
غرس من نعيم يومين أثمر في دواخلي حبا وانتماء (للقلقالة) التي اخترت ان اكمل بها عيدي، فهرعت اليها قبل انتهاء ايام التشريق التمس رفقة الماجد الحبيب الاخ الأصغر رحمة عبدالمنعم فقد دعاني الى هناك كثيرا ولكن المقادير ابطأت بي وليتها لم تفعل..
و(رحمة) لمن لا يعرفه صحافي شاب من مواليد التسعينات رغم بوادر الصلع البائنة وفخامة الجسد ( المليان طيبة)، عبارته مرهفة، ومفردته نقية ( فرز أول) حاشيته متقنة وافكاره مجودة واحساسه بالكتابة مثل (نقر الاصابع لما ترتاح للموسيقى)، صاحب قلب طيب ترعرع في كنفه انسان ، يتقن الود والوفاء ، في صوته تهدج دمعة تحاول النزول، ولكنها تأبي ان تفعل ، يجيد التواصل بالحسنى، طيب ك ( عيون الأرانب) ونقي ،ك( اطواق الياسمين)، شارد مثل اغنية وسمتها الأحزان..ورهيف مثل اوتار غازلها قوس الكمنجة في ليلة ارهقت قلب حبيبة ب(الشجن واغلى الذكريات) ..
مازلت اتذكر الغيمة التي رافقتني الى هناك، فمنذ ازمعت الرحيل من (خرطوم الجن)، زاحمتني رحمة الغيوم وغمرتني نعمة الطبيعة بغيث وخضرة وجمال، وأظلتني ( سحابة ) هتانة وطيبة كانت تهمي علي قطرا وحنينا، وتسامرني على صفحة سماء داكنة تحاكي (تعول)- شاعر ( ام هبج) ود شوراني في وصفه العجيب…و(التعول ) يعني بها لفائف السحب الداكنة..
*ضُهْرِيكْ سَابَقْ السّارية وصَبِيو إنْحتَّ…*
*وبَرْقِكْ سَاوَقْ أُمْ برَدْ البِيَرْمِّي صَقْتّا*
*سُحُبِكْ دُودَا فوقْ عّلاوْ ضِهورِكْ خَتَّ*
*جَبّاْلِكْ جَبَدْ كُجُرْ (التُّعُولْ) وإتْغَتَّ*
و(السقط) اشتياق حبيب لصديقي ( جمال نصر الدين ) ، ابن القلقالة ( الطويل) فارع القوام والابتسامة ، انيس الأغنيات وحبيب المسامرات الجميلة ،( دكشنري الغنا)، سيد النكتة الحاضرة والحكايات الوسيمة..
جمال ومن معه كانوا استقبالا على تخوم الوجد والحنين (للمة) في القلقالة طال انتظارنا لها.
ايامي هناك انس جميل أخرجه ( بخاري) و( مسلم)، هما توامان ونهران في مجرى ( تبارك ذلك النهرا) يتقاسمان دوزنة ايقاع المدينة، ويبرقان في سماء افراحها ( طبلة وبنقز) في دوزنة لا يقطعها الا صوت جمال الأجش وهو يغني محاكيا فوضى العمامة التي يضعها على رأسه باهمال ( ما اظن يحصو حسنك لو يحصو عدد الرمال وبايه يقدروك يا ملك ملوك عصر الجمال).. يا سلام ياجمال..
يومان من الغيم والمطر الغناء والرفقة الماجدة والابتسامات التي لا تنتهي حملاني حتى الكاملين التي اكملت روعة المشهد في (منتجع سيف) حين سخت الطبيعة بطقوس الجنان ،كانت زخات المطر تكسر خاطر عود( الفنان هود) وتداعبه برشات جريئة وهو يخبئه تحت الجلباب ويعزف ويغني ما يطلبه المستمعون ،طربا، ونغما واوتارا مشدودة، وسماء سخية، وشجنا جعل الحبيب القانوني الطيب نصر الدين يتلوى من الطرب.
المبدع هود افاض علينا من كنوز زيدان، وهطل الجابري، ودرر ابراهيم حسين وجمال الكابلي، وعسل وردي، وشهد الحقيبة، ووصلنا جهة معينة مين زينا).
لوحة الجمال ماكان لمزاجها الأخاذ ان يكتمل الا بوجود الاماجد محمد حسن وطارق احمد وابوبكر الصديق وعبد اللطيف حبره والاحباء اباذر عبدو ويحى ابراهيم وخالد علي..كلهم توافدوا الى زفة الجمال في بيوت القلقالة الحفية وغمروا ذاكرتي بالحب والترحاب والمواقف الوسيمة فطفقت اتذكر كلمات ودشوراني..

*غابْ نجْم النَطِحْ والحَرْ علينا اشْتِد*
*ضَيّقْنا وقِصِرْ ليلو ونهارو امتد*
*نظيرة المنو للقانون بقيت اتحدى*
*فتحت عندي مَنِطقة الغُنَا الإنْسَدّ..*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى