اعمدة ومقالات

وليد العوض يكتب: جرد الحساب .. موجات ثورية  (1) 

قبل انطلاق الحراك في 19 ديسمبر وصل صراع أجنحة ومراكز نفوذ النظام البائد  الي محطته الاخيرة اذ ظلت  تسيطر على المسرح السياسي بتفاعلاته الحاكمة والمعارضة على نسق الثورة الايرانية في تحديد مسارات الانتخابات وحصر المنافسة  بين تياري المحافظين والاصلاحيين ؛ وظلت الإنقاذ على هذه الحال من لحظة المفاصلة التاريخية نهاية 1999 بين العراب والرئيس وانتقلت بعد فترة بين الرئيس وابطال مذكرة العشرة ؛ واخيرا بين تياري د. نافع والاستاذ على عثمان والذي وصل الي ما يعرف بالاطاحة بالحرس القديم ؛ وما بعد ذلك دخلت الإنقاذ في تخلقها السادس تحت عنوان الحوار الوطني بثلاث حكومات إئتلافية في غضون ثلاث سنوات هي حكومات الفريق اول بكري حسن صالح ؛ معتز موسى وايلا ، وعلى صعيد الحزب الحاكم تم تغيير المكتب القيادي اربع مرات وهي فترة بروف غندور ؛ المهندس ابراهيم محمود ؛ ود . فيصل حسن ابراهيم وتكليف مولانا أحمد هارون برئاسة الحزب بعد تنازل الرئيس البشير عن صلاحيته الحزبية

(2) 

لبنة حراك ديسمبر شكلها واقع  إنقسام الإسلاميين والمؤتمر الوطني حول إنتخابات ابريل 2020 واعادة ترشيح الرئيس البشير وتعديل الدستور ؛ ولو تذكرون مساجلات وتسريبات مؤتمر شورى الوطني المحلول ؛ في ذلك الوقت أعلنت قوى معارضة عزمها على منازلة المؤتمر الوطني وخوض  الإنتخابات  المؤتمر السوداني والحركة الشعبية شمال نموذجا  .

(3)

 الطرح المعارض للإنقاذ قبل حراك ديسمبر كان يراهن على برنامج إسقاط النظام بكل الخيارات السلمية او الانتفاضة المحمية بالسلاح كرؤية لقوى الإجماع الوطني ؛ بينما طرح نداء السودان برنامج الهبوط الناعم المفضي لتفكيك نظام الإنقاذ بهدوء ؛ لكن صراع  المؤتمر الوطني حول إعادة ترشيح الرئيس البشير ودوره في إنتاج معركة القطط السمان وإستثمار الازمة الإقتصادية وندرة الخبز والوقود عجّلت بخروج  الشارع وانتهزت  المعارضة الفرصة الاخيرة  بتوحيد مراكزها والعودة الي مربع تحالف التجمع الوطني الديمقراطي لكن تحت لافتة قوى الحرية والتغيير في يناير 2019 ودمج خيارات الهبوط والإسقاط في برنامج إعادة هيكلة الدولة السودانية واعلان الحرية والتغيير  .

(4)

التسلسل التاريخي اعلاه للوصول الي حقيقة أن ثورة ديسمبر والوضع الإنتقالي الراهن تشكل في ثلاث (موجات ثورية  ) منفصلة عن بعضها إلا من خيط رفيع يتجلى في مفردة ثورة الشعب   ؛ ان جاز لي أن احدد القفزات الثورية في إمتداد وإستمرارية  الثورة ومعادلاتها السياسية وهي  : 

* الموجة الاولى وهي حراك المواكب في الفترة من 19ديسمبر وحتى 6ابريل وهي عفوية تقاطعت عندها رغبات اسلاميو رفض ترشيح البشير ؛ ورصيف مفاصلة رمضان وتيارات منشقة من  المؤتمر الوطني ومعارضة لنظامه  مع رغبات قوى المعارضة الحية (الاجماع الوطني ونداء السودان ) ، وفي هذه الموجة  لعبت المنصات الإعلامية للمحاور الإقليمية التي تحاول تفكيك موقف السودان  المحايد من الازمة الخليجية دوراً في الضغط الاعلامي على حكومة البشير وتغطية الاحتجاجات واتاحت فرص اكبر للمحللين والصحفيين الداعمين للاطاحة بالبشير .

* الموجة  الثانية فرضها  الإعتصام بالقيادة العامة 6 ابريل وحتى 3يونيو حيث تم الاحتفاظ بالزخم الشعبي كرافعة سياسية مع تغيير في تكتيك العمل السياسي لفرض معادلة جديدة ونظام انتقالي بديل لنظام الإنقاذ وعلى مسرح الاعتصام خفص المكون العسكري حمولته العسكرية والامنية بعد استقالة (8) من اعضاء المجلس العسكري وعلى رأسهم الفريق اول ابنعوف وعبد المعروف وصلاح قوش، ثم جاءت المحاولة الإنقلابية الفاشلة لتكمل فصول تآكل او تجديد المكون العسكري  ؛ وفي هذه الموجة  كان الدور الدولي والاقليمي الابرز في ساحة الاعتصام عبر زيارات السفراء وظهورهم الإعلامي وتدخل الوساطة الأفريقية الاثيوبية في تقريب وجهات النظر بين المجلس العسكري الإنتقالي وقوى الحرية والتغيير الامر الذي فرض الإعلان السياسي والوثيقة الدستورية وتشكيل الحكومة الإنتقالية والفجوة او إنعدام الثقة  في كل منعطف سياسي .

* الموجة  الثالثة وهي الأكثر تعقيدا وتأثيرا على الاستقرار السياسي في بلادنا من واقع سيولة المشهد وتآكل خطاب وتفاعلات التغيير من جهة ؛ واتساع مساحات تحرك  القوى السياسية المُبعدة من المشهد الانتقالي بامر الوثيقة الدستورية وظهور منظومات جديدة معارضة لتوجهات الحكومة الانتقالية وحاضنتها من جهة ثانية ؛ واستعادة المؤتمر الوطني لزمام المبادرة السياسية والإعلامية كحزب معارض من جهة  ثالثة ؛ واخيرا تحديات السلام والإقتصاد ابرز ما تواجهه حكومة الثورة ؛ كما لا ننسى العامل الاقليمي والدولي في سباق النفوذ وتقاطع أجندته ومصالحه في  السودان والاستفادة من حالة السيولة  ؛ وعلى ما يبدو أن موكب 30 يونيو وموكب جرد الحساب 17 أغسطس  مقدمة للوثبة الثالثة ؛ وكما كان الإعتصام مرحلة فاصلة بين حراك ديسمبر والوثيقة الدستورية فإن 30 يونيو وجرد الحساب  مرحلة فاصلة تفرض معادلة جديدة ربما تتجاوز الوثيقة الدستورية والحال المضطرب وصولا للإستقرار هنا لا بد من الاشارة الي التوتر في شرق السودان واقتراب التوقيع على السلام الذي بدأ بتوقيع إتفاق الترتيبات الامنية مع الحركة الشعبية شمال جناح عقار في جدولة زمنية 39 شهرا تتجاوز حتى صلاحية الفترة الإنتقالية والوثيقة الدستورية ؛ إضافة الي جدلية  التطبيع مع إسرائيل التي تتطلب إعادة ترتيب المشهد الانتقالي وحالة الاصطفاف الداخلي  .

(6)

المبذول في خطاب الثورة والحكومة إختزال المهددات في معارضة الإسلاميين ؛ بينما تغيب المهددات الإقليمية والدولية على الإنتقال نحو التحول الديمقراطي ؛ فالملاحظ الي أن الخطاب في ما يتعلق بالدولة العميقة بدأ يختفي بعد تحول المهددات الي “طرف ثالث” في النزاعات القبلية ؛ فالاطراف الثالثة إستفادت من شيطنة الإسلاميين كمهدد لا غيره للفترة الانتقالية وعلى ترسيخ هذه الدعاية تحرك الطرف الثالث بحرية في المشهد السياسي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى