اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة: موكب الهجرة

مشاهدات من الرقراق

رجلان : الله ثالثهما ، وشابة في ريعان شبابها ، وراع يقود شويهاته في براءة رغم ان يقوم بأخطر دور ! اذن ثلاثة رجال وشابة ، هو المركب المبار ، الذي سيهب الدنيا اعظم هداياتها ، وينقل الانسانية الى افق جديد . ابوكر ثاني الرجلين ، عرف بذكائه اللماح ، أن النبي لا بد ان يهاجر الى يثرب ، والا لما تلقى بيعتين — العقبة الاولى والعقبة الثانية — من اهلها . لذلك لما جاءه النبي الكريم منتصف نهار ذلك اليوم ، ليخبره بأن الله قد أذن له في الهجرة ، انتفض فرحا وهو يهتف : الصحبة يا رسول الله.. الصحبة يا رسول ، اجابه النبي الكريم : الصحبة يا ابابكر. فقال ابوبكر وقد ملأه الفرح : لقد جهزت راحلتين يا رسول، فاشترط النبي الكريم ان يدفع ثمن راحلته ، فيا لله من قوم لا يغفلون التفاصيل حتى في احرج المواقف. ويخرج الموكب المبارك بليل ، والنبي الكريم ، لا يفكر في مطارديه ، الذين ان ظفروا به ، لا شك قاتلوه ، بل يشمله الحنان والرقة لمسقط رأسه ، ومربع اقرانه وأسنانه ، لمرتع شبابه ، واول كهولته ، فيتمتم كأنه يحدث نفسه : اللهم قد اخرجتني من احب البلاد الي ، فأسكني في أحب البلاد اليك . ولله در العلامة عبدالله الطيب القائل : ألا ان اوطان الرجال قيود ، وذلك في رائعته ” وادي النيل البعيد ” ، والتي مطلعها : ألا ان وادي النيل منك بعيد فهل انت لما أن نأيت سعيد وبعد زمان حين استقر المقام بالمهاجرين في طيبة الطيبة ، واطعمهم من جوع وامنهم من خوف ، حنوا الى مكة ، التي ذاقوا فيها الويلات ، حتى ان بلالا الذي لسعه لهيب صحرائها وعلى صدره الصخرة العظيمة ، يحن الى مكة ويتغنى ببيت الشعر : ألا ليت شعري هل ابيتن ليلة بواد وحولي شامة وطفيل فقال له النبي الكريم في حنان ومودة : دع النفوس تهدأ يا بلال ، دع النفوس تهدأ . كم كابد ذلك النفر الطيب ، من المهاجرين الاوائل ، من ترك الاوطان ،في سبيل الدعوة التي أنارت دياجير الدنيا، وبفضلها اشرقت شموس الهداية والعرفان والرشاد . رجلان — من ارجح الناس عقلا — يوقنان بأن قريشا تطلب رأسيهما ، وتدفع مقابل ذلك مائة من الابل ، ولكنهما مع ذلك لايباليان ولا يترددان فضلا عن أن يخافا ، شأن القادة والرادة ، في كل زمان ، وفي كل مكان ، وفي كل ملة ! لأنهم يعرفون ان الحياة مهما طالت فالى انقضاء . ولذلك لما أوى الرجلان الى غار ثور ، ليهدئا قليلا من حمى المطا ردة ، وسمع ابوبكر ، وقع نعال المطاردين قريبا من باب الغار ، فثار خوفه على النبي الكريم ، فقال : لو نظر احدهم الى شراك نعله لرانا ! فطمأنه النبي الكريم : ما بالك يا ابابكر باثنين الله ثالثهما . واسماء بنت ابي بكر ، هذه الفتاة الشجاعة ، والتي تابعت الرجلين من بداية الرحلة المباركة ، تحمل لهما الزاد ، ولا تحتمل في اداء مهمتها تأخيرا ، حتى انها حين لا تجد قربها ما تشد به اوعية الزاد ، تخلع ثوبها ، وتشقه نصفين ، فتنتطق بشق ، وتشد الزاد بشق ، حتى سميت بذات النطاقين . فتاة في مقتبل العمر ، تحلم مثيلاتها بفتى الاحلام ، ذلك الذي يجئ على حصان ، فيخطفهاويحلق بها فوق السحاب ، أما هي فتخوض معركة توقن انها قد تنتهي بموتها ، ولكنها لا تبالي . وراعي الاغنام ، الذي يمشي في بلاهة ولامبالاة خلف شويهاته ،كان ينهض بدور عظيم في الملحمة ، يعفي على اثار اقدام راحلتي الرجلين ، ويحلب لهما اللبن ، فيشربانه طازجا ، سائغا للشاربين ، وينقل لهما ما يستجد من الاخبار . ويكتمل موكب الهجرة المباركة ، فما ابركها من اقدام تغبرت في سبيل الله .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى