المنوعات

وقائع انتفاضة مارس ابريل ….. كيف دفنت المدنية الثالثة

وَإِذَا الْمَــوْءُودَةُ سُئِــلَتْ ( 2) بقلم أكرم ابراهيم البكري

اخذ قاده الوحدات العسكرية يتبادلون النظر، والنائب الأول يواصل استعطافه الظاهر للمؤسسة العسكرية
– لقد ادينا قسماً وبيعة تلزمنا ديناً بالتدخل لإنقاذ الوضع اننى مثلكم أدين بالولاء للقائد الامام
قال كلماته تلك وهو ينظر الى وزير الدفاع الذي سرت فيه ارتعاشه صغيرة، عمر محمد الطيب بارعاً في علم النفس ضرب على الوتر الحساس للفريق الدهب (الدين) فهو يعلم جيدا مدي حساسية الأمور الدينة بالنسبة لتلك الشخصية التي أغلقت عقلها واصبحت تتمسح بسربال خرقة باليه وضعها لها حسن عبد الله الترابي كأنها أستار الكعبة.
اخذ قادة الوحدات العسكرية يستمعون في صبر الى كلمات رئيس جهاز امن الدولة وهو يكرر استجداءاته بتدخلهم اخذت نبره حزينة تتدفق من بين جمل الرجاء تلك
نظر الفريق تاج السر عبد الله اليه وقال: –
بس يا سعادة النائب الازمة الان سياسية وليست امنية…!
عقب على حديث الفريق قائد العمليات عثمان عبد الله بعد ان قضب حاجبيه قائلاً: –
الزج بالجيش في امر كهذا من الممكن ان تكون له عواقب وخيمة
لم يستوعب نائب الرئيس تخوف قيادة الوحدات من اعلان حاله الطواري فهم يتحاشون بقدر الإمكان إعطاء أي صبغة سياسية بتحركهم العسكري فالخوف ان يتم استغلال هذا التحرك من قبل ضباط اخرون تكون لهم أغراض محددة حاول عمر محمد الطيب الرد عليهم بان اعلان حاله الطواري لا تمثل خرقاُ قانونياً، الا ان العميد دكتور محد الحسن حاج علي مدير القضاء العسكري قاطعه قائلاً: –
قانون الطواري كوثيقة قانونية يتعين به تطويق ظرف امنى محدد، صمت مدير القضاء العسكري ونظر الى عيني نائب الرئيس وقال: –
الظرف الحالي سيادتكم ظرف سياسي بالمقام الأول .
سيطر على الاجتماع حوار ساخن حول جدوى اعلان حاله الطواري كان من الواضح ان قادة الوحدات لهم راي موحد في هذا الطلب حاول نائب الرئيس مراراً و تكراراً موضحا ان هنالك استهداف مذكراً وزير الدفاع بخطابه السابق للرئيس القائد بان هنالك مؤامرة تستهدف الحكم في السودان، وفجأة يرتفع رنين الهاتف في الاجتماع كأنه طلق ناري مبددا حاله الهدوء تلك صمت بعدها الجميع يستوضح الامر رفع مدير مكتب سوار الدهب سماعه الهاتف المتصل وزير الاعلام علي شمو
يرفع نائب الرئيس عيناه في حذر تتسارع دقات قلب وزير الدفاع ماذا هنالك
يرد علي شمو اريد ارسال رساله الى عمر محمد الطيب لقد علمت بانه في اجتماع بالقيادة العامة
مدير المكتب بقلق: –
ما طبيعة الرسالة
لــــــــــــقد توقف البث الإذاعي لإذاعة امدرمان
ينظر الجميع الى عمر محمد الطيب بقلق وترقب، يقطع الصمت أحد الضباط
كيف تتوقف الإذاعة في هذا التوقيت هل من الممكن ان………………….
لم يكمل الضابط جملته التي كانت ترمي الى شرر اخر حتى فتح باب القاعة بصورة مفاجأة توقفت عقارب الساعة تماماً وساد صمت رهيب داخل القاعة حتى ان انفاس عمر محمد الطيب أصبحت واضحة الشهيق والزفير، جحظت عينا النائب الأول وطار قلبه من مكانه وهو يري العميد عثمان خضر قائد سلاح الإشارة منتصب القامة امام الباب ادي العميد التحية العسكرية بصورة مدوية فانتفض على أثرها رئيس جهاز امن الدولة مرتجفاً بحق
تداخلت الظنون في راسه من ان يكون قد تم السيطرة على الحكم بواسطة ثلة من الضباط وان القادم في مهمة اعتقاله لم يتمالك قائد سلاح الإشارة نفسه حتى ألقى تقريرا مفصلاً عن تحركات بعض الضباط. في هذه الاثناء كان البيان الموقع باسم تجمع ضباط الشرطة والذي تم توزيعه في يوم الاربعاء 27 يدين نظام مايو ويعلن بان تجمع ضباط الشرطة “سيعمل بكل قوته على عصيان أي أمر باستعمال القوة ضد ابناء هذا الوطن. وان الشرطة ستعمل على اسقاط هذا النظام الدكتاتور بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة التحاماً وتضامناً مع الشعب قد اتى ثماره تدافعت الجماهير معبرة عن غضبها ومؤيده لضباط الشرطة
التقارير تتوالي مثل نــــــــزيف الدم النار تحاصر مؤيدي النظام المايوي هاجم المتظاهرون مقار الاتحاد الاشتراكي وهشموا واجهات فندق “مريديان” وآراك” ، والخطوط الجوية الفرنسية وهتفوا امام السفارة الامريكية ضد صندوق النقد الدولي واضرموا النار في ثلاث محطات بنزين وفي عدد من السيارات الوضع منفلت تماماً تتواصل التقارير على مكتب نائب الرئيس الذي يضع راسة بين يديه ويغرق في تفكيره ، هذا الوضع الذي لم يمر عليه يوما طيلة جلوس على قمة هرم الدولة لقد بلغ عدد الشهداء حتى يوم الاربعاء 27 مارس خمسة مواطنين ووصل عدد الجرحى المحتجزين بالمستشفيات للعلاج الثلاثين مواطنين كما بلغ عدد المعتقلين الذين قدموا لمحاكمات ايجازية فورية حوالي 500 مواطن عدد المعتقلين في تزايد لقد وصل الى 2642 حتى اليوم الرابع يــــــــــــــــــــــاللهى اين المفر .
وفى هذا التوقيت بالذات تعتزم القوي الشعبية بقيادة التجمع النقابي تسيير مظاهرة الى دار القضاء تدعو فيها كل الوان الطيف السياسي والجماهير للخروج معبره عن غضبها يتم التوافق على مذكرة تسلم الى رئيس القضاء تطالب فيها سحب الشرعية من حكم جعفر نميري .
مهلاً……………
ماذا قلنا هل اعتزم التجمع النقابي تقديم مذكرة لسحب الشرعية من جعفر نميري ، ارجو ان لا تنبهر من تكرار نفس السيناريو عزيزي القاري في العام 2018 والعام 2019 بتغيير طفيف في عنوان المذكرة ولكن تمعن في خطوات التاريخ وعليك ان تدرك ان وظيفة التاريخ هي أن يمشي كما نملي!!.
هل نعيد رسم خطواتنا بنفس التطابق يـــــــــــــــــــا تـــــــــــــــري ام ان مسار الحرية يتخذ نفس الطريق صباح الخميس 28 مارس الهيئة النقابية لأطباء مستشفيات الخرطوم وتحت قيادة د. أحمد التجاني تعلن الاضراب عن العمل حتى 30نهاية شهر مارس
الأطباء ينشرون بيان رسمي بالأضراب ويعلنون في محتوي البيان أسماء شهداء الاحتجاجات خلال الأيام الفائتة
نقابة المحامين تدخل على الخط وتشكل مجموعات من المحامين للدفاع عن المواطنين المعتقلين امام المحاكم الناجزة ، هل هنالك تشابه بين ما دار في انتفاضة مارس ابريل 1985 وثورة ديسمبر 2018/ 2019 .
بمجرد ان وصل التقرير عن عزم قيادة التجمع النقابي تسيير مظاهرة حاشدة الى دار القضاء توترت قيادة الجيش فعلياً وأصبحت في حاله اجتماع دائم.
وبنفس الصيغة الحالية يظهر الصادق المهدي ممثلاً لقيادة الأحزاب السياسية الكسيحة التي أنهكها صراعها الدامي مع نظام مايو تجتمع قوي الأحزاب السياسية بالفريق تاج الدين عبد الله يسود الاجتماع ردود أفعال مختلفة بين الأحزاب وممثلين الجيش
الصادق المهدي يرمي كلماته على عوهنها
– اننا نعلم ان الجيش سيرجح الكفة إذا ما انحاز الى ضميره ووقف الى جانب الشعب
الصادق يغازل جنرالات جيش النميري لاستلام السلطة، الا ان المؤسسة العسكرية تريد ان تستمع الى قيادات التجمع النقابي أيضا وتبلور رؤيتها العميد عثمان عبد الله يجري مباحثاته مع قيادة التجمع النقابي التي توضح رؤيتها في التزام الجيش الحياد التام وعدم التدخل لاستلام السلطة فقط عليها الحفاظ على امن وسلامه الوطن والانحياز للشعب الذي يختار قيادته بنفسه .
تصل الإشارة الى وزير الدفاع يترقب بحذر ويجتمع مرة اخري مع قيادته بالوحدات العسكرية يتحدث اللواء فضل الله برمه ناصر قائد منطقة بحري: –
– ان قواته متماسكة وهي خلف القيادة العليا وتسندها فيما تختاره من خيارات
هكذا كان رد اللوء الذي فضل ان يكون حديثة بنبرة قوية تحمل إصرار عظيم وتبعث الطمأنينة في نفس القائد ووزارة الدفاع.
ينبري العقيد عثمان الأمين قائد سلاح المهندسين والعميد الجعلي قائد سلاح المظلات مؤكدين نفس حديث اللواء برمه عن تماسك قواتهم خلف القيادة فيما تختاره من خيارات.
فجأة يقطع صوت العميد فارس حسنى قائد الاستخبارات العسكرية حديث الدعم والمساندة ويشير الى تقرير بين يدية، تغيرت نبره صوته دلاله على المعلومات الخطيرة التي بين طيات الأوراق اخذ نفساً حاراً وهو يقول:-
– ان هنالك معلومات شبه مؤكدة عن ململه في صفوف الرتب الوسطى والدنيا من الضباط ومن الواجب سعادة الفريق ان ابلغكم ان هنالك تحركات مريبة لا ندري كنهها ولا توقيت اعلان انقلابها ……….
هنا فقط ارتفعت حرارة الاجتماع وجحظت عينا وزير الدفاع مع ارتجافه خفيفة وصلت العدوي لاغلب الضباط المجتمعين، انقلبت الموازين وسري همس طفيف بين المجتمعين، لم يتمالك سوار الدهب نفسه فاخذ يقوم بجولات تفقديه خلال ألايــــــــــام التي أعقبت الاجتماع على كل الوحدات والثكنات العسكرية.
استمرت الاحتجاجات بوتيرة متصاعدة الجيش يحبس أنفاسه الأخيرة المؤيدين للسلطة يتوعدون الشعب بقدوم النميري يوم السبت السادس من ابريل صباح اليوم الجمعة 29 يسيطر الهدوء على العاصمة القومية الترقب والحذر السلطات الحاكمة (امانة الاتحاد الاشتراكي بالعاصمة، جهاز امن الدولة، اتحاد نقابات العمال، اتحاد شباب السودان) يصدرون بيانات عدة يصفون فيها المظاهرات: بالشغب والتخريب للمنشئات العامة والممتلكات الخاصة.
أعلن الاتحاد الاشتراكي “انه تم القبض على 2642 متهماً تم تقديم 851 منهم لمحاكمات فورية وتراوحت الاحكام الصادرة ضدهم بالسجن والجلد والغرامة، كما تم التحفظ على 1791 شخصاً بقصد تفريغهم خارج العاصمة.
السجن والغرامة هل مر عليك نفس المشهد وانت تعيد قراه الاحداث التاريخية وماذا لو عرفت انه تم فتح باب تبرعات لدفع غرامات المعتقلين بواسطة المحامين.
الفريق سوار الدهب في جولته الاخيرة مع ضباط سلاح المهندسين بامدرمان يتفقد الأوضاع ويعود الى القيادة العامة بالخرطوم يتبادل النقاش مع قيادات الوحدات العسكرية يرفع ابهامه والسبابة ويضغط على أصداغه يتحول حوار الضباط من النقاش السياسي الراهن الى جدل سياسي فوزير الدفاع يري ان انحيازه الى الشارع نقض للبيعة التي اداها للنميري (هل تصدق هذا) المواطنين يقتلون برصاص النظام ووزير الدفاع سوار الدهب يتحدث مع زملائه الضباط عن نقض بيعة تمت لرئيس فاسد
يحاول عدد من الضباط اقناع الفريق بان حمامات الدم تنقض أي اتفاق للنميري وتن حث القسم في مثل تلكم الظروف واجب دينيا، وزير الدفاع مغلق العقل والفؤاد يقيس رعاية الشعب بما يتوافق فقط مع عقله. ينبري أحد الضباط بمقترح يثير الشفقة
– ليس هنالك حرج سعادة الفريق من الممكن ان تصوم ثلاثة أيام تكفيراً للقسم وبذلك تكون في حل من تلك البيعة.
ينظر اليه سوار الدهب وكان رسولاً من السماء قد نزل عليه بالوحي يغمض عيناه في خشوع هذا ما يريد
يبتسم بعض ضباط الوحدات العسكرية ويتنفس اخرون الهواء لقد كان هذا حلاً مرضيا للجميع.
صباح السادس من ابريل لسنه 1985 هيئة القيادة العسكرية تحسم امرها بالانحياز الجيش الى الشارع وعلى متن طائرة هيلوكوبتر الى سلاح المهندسين بامدرمان ومن سلاح المهندسين تتحرك مدرعة بحراسة مشددة الى إذاعة امدرمان يتم بث بيان جنرالات الجيش معلنه نهاية عهد النميري وشرعيته.
الجيش يعلن تكوينه الرباعي للفترة الانتقالية بقيادة عبدالرحمن سوار الدهب وزير دفاع جعفر نميري وعضوية الاتية أسماءهم
الفريق تاج الدين عبدالله
الفريق محمد توفيق خليل
الفريق يوسف حسين .
بعد عزل جعفر نميري هرعت الأحزاب السياسية الى عقد مفاوضات مع العسكر لتوسيع المشاورات واستكمال الاشكال القانوني والتي بموجبها يتم تكوين المجلس العسكري الانتقالي مع تحديد صلاحياته واختصاصاته وتكوين مجلس وزراء انتقالي
لا تفتح فمك دهشه من إعادة التاريخ فليس هنالك جديد على ثورة ديسمبر الا في عدد الشهداء وبعض الرتوش
كانت المشاورات تجري بين ممثلي النقابات (التجمع النقابي) والأحزاب والمجلس العسكري الانتقالي الذي ضم كل قيادات الوحدات العسكرية الموجودة بالخرطوم فكانت في عضويته 15 ضابطاً منه اثنان من جنوب السودان .
وبهذا تم تــــــــــــــــــكويــــــــــــــــــــن ما يـــــــــــــــــــــــــسمي بالميثاق القومي للسلطة، والذي يشابه الوثيقة الموقعة بين المجلس العسكري وقوي الحرية والتغيير لحد كبير .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى