اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة  :ماما…..مصر

مشاهدات من الرقراق

يقول الغربيون : ان الشيطان يكمن في التفاصيل ، وهذا ما حدث لي ، وأنا استمع للبيان الختامي ، لزيارة رئيس الوزراء المصري للسودان ، يتلوه وزير الثقافة والاعلام ،فيصل محمد صالح . اول ما قفز امامي من التفاصيل ، اسما رئيسي الوزراء : عبدالله حمدوك ومصطفى مدبولي ، فحمدوك اسم سوداني صميم ، ومتبولي اسم مصري صميم . واسم حمدوك قفز بي الى مذكرات استاذ الاجيال بابكر بدري ، وقوله : وفي العصر قابلنا الرجل الطاهر العالم ، عبدالله حمدوك ، وسمح لنا بالسكنى بمدرسة الفلاح — بمكة المكرمة — لأنه هو رئيسها ، أي ناظرها…، فهذا حمدوك وذاك حمدوك . واسم مدبولي قفز بي الى مكتبة مدبولي ، بالقاهرة ، والتي طبعت ونشرت عشرات الكتب القيمة ، التي رضعنا من ثديها لبنا خالصا سائغا للشاربين ، من الفكر والثقافة …. فهذا مدبولي وذاك مدبولي ! واستوقفني من التفاصيل : ذكر البيان المشترك : تنشيط التجارة بين البلدين ، واحياء هيئة وادي النيل للملاحة النهرية ، وتبادل المنح الدراسية ( مائة من السودان في الجامعات السودانية ، ومائتان من مصر في جامعة الازهر )… وبعد استماعي للبيان قلت في نفسي : هذا تياترو للعالم ! كما يقول اخواننا المصريون ….اما الكلام ” الجد ” ، فمسكوت عنه في العلن ، ومطروح ب ” قوة ” ، هناك…خلف الكواليس …في الغرف المغلقة : موقف السودان من سد النهضة ، وتلويحه الدائم بأنه ” يرعى مصالحه ” …ورفض شركات التعدين الاوروبية التنقيب في مثلث حلايب ( المحتل ) ، باعتباره في خرائط الامم المتحدة ارضا سودانية ( مية المية ) ! هاتان هما القضيتان الرئيستان اللتان حملهما رئيس المخابرات المصرية اولا ، واعقبه رئيس الوزراء المصري ، في زيارته الحالية ، على رأس وفد ضخم ! وما عدا ذلك مما قيل علنا ، لا يعدو ان يكون ( تمومة جرتق ) ليس الا ! واسرح مع التفاصيل ، التي يكمن من ورائها الشيطان : لماذل لا تنضج العلاقات السودانية المصرية ، ولا تشب عن الطوق ابدا ! السياسة علم ، ايها الناس في مصر والسودان ، وكلكم تعرفون ذلك ، علم اليقين ، بل علم ذات اليقين ، بل علم عين اليقين ! ولكنكم تتشبثون تشبث الاطفال المدللين بالسفاسف وتتجاهلون الجواهر ! وفي تاريخ البلدين المعاصر ، رجال ” ونساء ايضا ارضاء للسيد عبدالله حمدوك ” كتبوا وكتبن ، أعمق التحليلات للاسس الصحيحةللعلاقات بين البلدين ، ولكنها تهمل ، فكأنكم بني اسرائيل ايها الناس ، في مصر والسودان ، يطعمكم الله المن والسلوى ، وتصرون على اكل الفوم والعدس والبصل ! واسمعوا الان شهادة واحدة للدكتور بطرس غالي ، في كتابه : طريق مصر الى القدس ، يقول — لا فض فوه — : …. كنت منذ امد طويل ، اناصر قيام اتحاد فيدرالي بين مصر والسودان ، وخلال السيطرة البريطانية — على السودان ومصر طبعا — ، كان هناك اعتراف بالوحدة الاقتصادية والجغرافية ، بين السودان ومصر ، وكنت مقتنعا بأن التكامل بين البلدين هو المفتاح لازدهارهما معا …وقد عقدت اجتماعات عديدة ، للجنة الوزارية المصرية السودانية المشتركة ، لمناقشة الموضوع ، ولكنها لم تحقق شيئا ، فالمحادثات لم تكن مرتبطة بحقائق القضية ، ومع ذلك فعند نهاية كل جلسة ، كان ممثلو الجانبين ، يهنئون بعضهم بعضا ، في جو من السعادة والشعور بالانجاز ، وكأنما تم التغلب على العقبات الكبرى ، وتم التوصل الى اتفاق على السير في المشاريع المشتركة، واسعة النطاق ، للاصلاح الزراعي ، ونشر الصناعة ، وانشاء خزانات المياه …..وطلبت من حافظ غانم ، نائب رئيس الوزراء ، المعني بشؤون السودان ، ان يفسر لي جدوى هذه الاجتماعات ، التي لا تحقق شيئا ، فضحك وقال : انها شعرة معاوية ! انتهى كلام بطرس….قلت : وهذا جوهر القضية ، ايها الناس في السودان ومصر ، كل المحادثات بين السودان ومصر ، منذ كان السودان الحديث ، ومصر الحديثة : لا ترتبط بحقائق القضية ، كما قال بطرس ! ولكنها شعرة معاوية ، كما قال غانم !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى