اعمدة ومقالات

وقائع انتفاضة مارس ابريل ….. كيف دفنت المدنية الثالثة

وَإِذَا الْمَــوْءُودَةُ سُئِــلَتْ ( 1) بقلم أكرم ابراهيم البكري

التاريخ لا يعيد نفسه وإن فعل فإنه فى المرة الأولى يكون دراما إنسانية وفى المرة الثانية يكون ملهاة ساخرة …هكذا كتبها كارل ماركس وحللها من بعده اخرون.
أن منطق التاريخ هو منهج البحث الذي يتابع سيرورة التاريخ ووجهته، وان كانت التاريخية نزعة تجعل من التاريخ نفسه محصلة انجاز وساحة بحث يستشرف منها الماضي وتعرجاته بحثاً عن المبررات المنطقية للأحداث الظاهرية واثرها على الواقع الانى فهنالك كثيراً من المواقف العبثية التي يضج بها تاريخنا المعاصر في السودان وبنفس مقولة ماركس افتتاحية المقال فان هذه الاحداث نراها الان طي الممارسة المدنية الرابعة فتسلب العقل القدرة على الاعتبار من الماضي، والتماهي معها لا يرسم افاق مستقبلية للوطن وترهن كل الممارسة ما بعد التغيير للصدفة .
دعونا نتوقف عند محطة انتفاضة مارس ابريل 1985 ولنري كيف تم اجهاض المدنية الثالثة من خلال الممارسات ولنعيد البصر مرتين في تلك الاحداث ونتمنى ان لا يرتد البصر خاسئاً حسير ، نتوقف ونتسأل هل يعيد التاريخ نفسه فتجربة المدنية الثالثة كانت هي الدراما الإنسانية لإعادة نفس الأخطاء من أكتوبر ولنتضاري خجلا قبل ان نضحك مل فضيحتنا من ملهاة ساخرة .
مايـو اخر الرمق: –
الخرطوم ومنذ بداية شهر مارس لسنة 1985 تعيش حالة من البؤس والاحتقان قوانين تحمل صبغة إسلامية (العدالة الناجزة) اقرها رئيس البلاد بإيعاز من بعض حوارييه تزيد من سوء الحالة الاقتصادية وتقهر المواطنين وتسلبهم حق الحياة وتبشع بهم مع الامراض والفقر استفحل الامر ووصل مرحلة المجاهرة بالعصيان الأربعاء 27 مارس تطوق ثلة من الغاضبين بامدرمان دار جمعية ود النميري الخيرية وتشعل النار فيها نكاية في الرئيس الامام.
صيف الخرطوم يبدا مع الشهر الثالث ودرجات الحرارة في تناسب طردي مع غليان الشارع الرئيس الامام يعيش حالة من الانبتات الذاتي ويصرح لتلفزيون امدرمان القومي بتجبر وسوء ادب مبررا ارتفاع أسعار السكر بان النساء يستخدمنه في صنع حلوي خاصة لنتف شعر الابط والعانة وفى تحدي صريح قال للمذيع بعد ان استجداه مراعاة المواطنين في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية رد الامام بتهكم وعجرفة : –
– على المواطنين التقشف من كان يأكل وجبات ثلاثة لماذا لا يعيش على وجبتين …. ومن كان يأكل وجبتين لماذا لا يكتفي بواحدة …. فالأكل الكثير يضر بالصحة
جحظت عينا المذيع هلعاً وهو يستمع لتلك الكلمات كيف يستقيم هذا باي سوء يتلفظ الامام
يزداد الغضب الجماهير ي باستفزاز الامام الذي يتناسى كل هذا ويباشر في عزلته عما يدور في البلاد تظهر زوجته بثينة التي اشتهرت بأناقتها التي تضاهي اناقة زوجة ديكتاتور القلبيين السابق ايميلدا ماركوس كيف هذا وبثينة كانت تري في جيهان السادات اسوة حسنة وخلفتها في تلك القدوة سوزان مبارك
لم يكن يدر بخلد جعفر نميري في تلك اللحظات بمطار الخرطوم وهو يعتلي الطائرة الرئاسية متوجها الى بلاد العم سام في يوم الأربعاء 27 مارس 1985 بان تلك اخر لحظات له مع الوطن ليس رئيساً بل حتى كمواطن ينعم فقط بهواء النيل او التمتع بالتحرك داخل ارض المليون ميل مربع ارتفعت الطائرة في سماء الخرطوم وارتفع مؤشر المواجهة بين الشعب والسلطة.
أقلعت طائرة الديكتاتور من مطار الخرطوم وتردد صدي خطابة المستفز مساء الثلاثاء السابق لسفره مثل النار في الهشيم مخلفاً حاله من الغليان جعلت الجميع يتحسس وضعه كمواطن اما ان نكون او لا نكون.
التهبت مدن السودان وخرج المواطنين منددين بالرئيس ومتحديين له تطاوله عليهم واستخفافه منهم خرجت الحناجر ساخرة من الامام تطوف كل العاصمة المثلثة وتصرخ
(يــــــــــــــــــــــــــا بثينة حمارك عينة)
واي هتاف هذا أكثر حكمة وتعبيراً عن رجل تقول بعض الدوائر لبعض الأحزاب بانه امام المسلمين هذا المشار اليه بالعينة نعتة أحد زعماء الأحزاب (الترابي) بانه امير المومنيين .
قبل الولوج الى العنوان القادم رعاك الله تمهل وتمعن قليلا في نهايات مايو وقارنها بنهايات حكم الإسلاميين والبشير وكيفية استفزاز المواطنين وللغرابة نفس حديث البشير في تجمعاته الهلامية التي كان يشير فيها الى انه ابن عامل بسيط واشتغل باليومية ووقع كسر أحد اسنانه نفس الطريقة تلك اتبعها جعفر نميري فقد كان يتعمد بمناسبة وبدون مناسبة ان يذكر الناس انه ابن ساعي بريد بسيط توفى في حادث حركة عند تخريج ابنه من الكلية الحربية.
التجمع النقابي يقود انتفاضة مارس ابريل: –
نعم لقد كان هذا اسم الكيان الذي قاد انتفاضة مارس ابريل انى اري أنك الان تضاري ابتسامتك الساخرة او تحاول ان تبحث سر العلاقة بين الاثنين (التجمع النقابي) و(تجمع المهنيين السوداني) الامر لم يكن ابتكار عزيزي ولكن ارث موجود نستدعيه مثل تحضير الأرواح له قواعد واسس ومعايير لا يتم استحضار الكيان والاجماع عليه دون توفير كل معطياته.
لم يكن هنالك أدنى شك بان أيام الديكتاتور في رمقها الأخير بدأت قوي التجمع النقابي فورا بالتواصل مع الأحزاب السياسية التي كانت تعاني من ضعف انهكاها وتركها تعرج وبعضها يسحب رجلية سحباً من الكساح الضارب فيها، ولان الشارع كان متقدما على القوي النقابية والحزبية وليس له قيادة فعلية بدأت قوي التجمع النقابي في تنظيم صفوف الشعب واشهار سلاح الاضراب والتظاهرات اليومي.
نتريث قليلاً نحاول ان نقرأ ما بين السطور وفى البال اختلاف الطبيعة المكونة للتنظيم الإسلاميين القمعي وحكم جعفر نميري الديكتاتوري نري ان تجربة التجمع النقابي استطاعت ان تنجز قيادتها للانتفاضة خلال أيام بخلع النميري بعكس تجمع المهنيين الذي احتاج الى نصف عام كامل حتى استطاع ان يصل الى تنحي البشير.
واصل التجمع النقابي في ابريل قيادته للشارع المطالب بالتغيير الى ان كان الثالث من ابريل وإعلان العصيان المدني والاضراب السياسي العام.
وللحقيقة لقد كان السودان في هذا اليوم أقرب لمدينة الاشباح فكل مجاله الجوي مغلقاً
وتوقفت الملاحة الجوية تماماً وانقطعت خطوط الاتصال والهواتف السلكية واللاسلكية وتوحد مهندسي الكهرباء على كلمة سوء ( لا ) للديكتاتور وتحولت العاصمة المثلثة لكتلة من الظلام الدامس توقفت الحياة تماماً وتوقفت الأصوات الا من صوت الثورة الغاضب على منظومة الديكتاتور شهد السودان أطول ليالي الغضب استمرت المظاهرات منذ الثالث من ابريل الى الساعات الاولي من صباح الخميس الخامس من أبريل للعام 1985.
وكانت تحركات السادس من ابريل للعام 2019 تشابه لحدما ما شهدته الخرطوم في اجتماع القيادة العامة يوم الخامس من ابريل 1985.
الـرجـفة: –
بأصابع مرتجفة يدير اللواء عمر محمد الطيب رئيس جهاز امن الدولة والنائب الأول لرئيس الجمهورية قرص هاتف مكتبة طالباً مكتب زير الدفاع يرد الفريق اول سوار الدهب بوقار مصطنع تطبع عليه الرجل استزلاماً منذ عهد بعيد
الو … نعم …
بصوت مبحوح يكاد يصل صداه عبر اثير الهاتف يقول رئيس جهاز الامن
– لا بد من نزول الجيش الى الشارع سعادة الفريق وإعلان حاله الطواري لابد من الحفاظ على الامن، البلد في وضع لا يحسد عليه
أغمض الفريق عيناه ثم نظر الى سقف مكتبة طمان اللواء بانه سوف يجري اللازم فقط عليه الاجتماع بقيادة الوحدات لتدارس الامر .
لم يتمالك عمر نفسه فخرج صوته أقرب الى التوسل منه الى طلب
نعم نعم سعادة الفريق ارجو ان تقوم باللازم.
أنهي اللواء حديثة مع وزير الدفاع وهو يهمس لنفسه:-
يا رب تجيب العواقب سليمة ….
ابتسم القدر ساخراً من ابتهال نائب الرئيس فمن المؤكد ان عمر محمد الطيب يعلم ما وصل اليه حال البلد تحت حكم النميري فالواقع المعاش يــكاد يكون خانق يدعو للانتحار فمرتب العامل الذي يعول أسرة تتكون من أربعة أشخاص الزوج والزوجة واثنين من الأبناء مائة وأربعون جنيهاً من حيث أن كيلو اللحم البقري كان بخمسة وثمانين قرشاً. أما كيس الخضار، فكانت قيمته جنيهاً واحداً. هذا في جانب إعاشة أسرة ودون طوارئ العلاج والكهرباء والرغيف ورسوم دراسة طالب واحد. هذا الدرك السحيق من معاناة المواطن مقارنة بإمكانيات دولة مثل السودان .
أغمض عمر الطيب عيناه في خشوع وتضرع وهو يسترجع ذاكرته قبل أيام قليلة فقد قام ماسحي الأحذية وغاسلي السيارات وصبية المدارس الابتدائية بألقاء الحجارة على موكب الرئيس أثناء توجهه للمطار يوم 23 مارس 1985 في طريقه إلي أمريكا. وبعدها انفجر بركان هائل تحت اقدام السلطة التي لم تستطيع السيطرة على الشارع و هو الان يطلب من وزير الدفاع انزال الجيش وإعلان حاله الطواري في خطوة استباقية تعيق أي تحرك من صغار الضباط وتتولي حكم البلاد بانقلاب على الحكم المايوي
عمر محمد الطيب وبخبرته الكبيرة في مجال الاستخبارات كان يعلم ان وصول الاحتجاجات الى نهايتها بثورة شعبية أفضل بكثير من تولي السلطة جهة عسكرية ما بانقلاب عليهم فالثورة الشعبية من الممكن تداركها بواسطة سيطرة جنرالات الجيش على الغضب الشعبي ولكن ان تسعي فئة من الرتب الوسيطة او الدنيا الى الإطاحة بحكمهم فهذا يعنى اعدامهم بحجة الثورية.
القيادة العامة وسرب العصافير: –
تمام الغضب الشعبي بتوقيت الخرطوم القيادة العامة وزير الدفاع يضغط على أصابعه بتوتر بالغ مصدراً فرقعة تبدد الصمت داخل قاعة الاجتماعات التي ضمت تقريباً كل قادة الوحدات العسكرية بالعاصمة القومية ، الخرطوم تعيش اسوء كابوس لمؤيدي النظام المايوي علامات الحيرة ترتسم على وجه سوار الدهب الذي لم يكن يوماً ذو كاريزما حقيقية داخل القوات المسلحة شخصية طايعه تتمظهر بالوقار لها ابعادها الدينية التي تتماشي مع تيار الاخوان المسلمين ، له من الدين الشفاهي شأن وتحكيم الشرع بما يقوله علماء السلطان لا يجتهد كثيرا يمشي مسلما باحاديث تبرير الحكم للأمويين والعباسيين ولا يعنيه الكثير ففي الوقت الذي كان الشارع فيه يغلي مناهضا لنظام مايو ومطالباً بسقوط حكومة الديكتاتور وجه الفريق سوار الدهب في يوم الجمعة 29 مارس 1985رسالة للقائد الأعلى بأمريكا قال فيها بالحرف
– بان ما يحدث في السودان الان ما هو الا مؤامرة دنية تدبرها ليبيا واثيوبيا بمساعدة الاتحاد السوفيتي للإطاحة بنظام الخرطوم.
ابلغ وزير الدفاع قادة الوحدات العسكرية حقيقة طلب النائب الأول للرئيس بإعلان حاله الطواري وإنزال الجيش للشارع تدارك المستمعون حديث القائد وكأنه يطلب منهم مخرجا للمحك الذي وقع فيه همهم الجميع وبدات علامات الضيق على اغلبهم ليسوا مسولين عن حماية القائد واجبهم حماية الوطن من المفترض ان يكون هذا راي قائدهم ، ولكننا أشرنا بانه ضعيف التكوين والكاريزما يقيس تحركاته وما يؤمن به من قدسية شرعية عليها خلاف فقهي حول امير البلاد ولان الامام جعفر نميري في عرفه محقق الشريعة فان الخروج عليه يعتبر محرماً.
لم يعد امام سوار الدهب الا ان يستدعي عمر محمد الطيب امام قادة الوحدات العسكرية لم يجرؤ الرجل على تبليغ رئيس جهاز امن الدولة برفض طلبه.
ارتفع هاتف مكتب عمر محمد الطيب، خطف الرجل سماعه الهاتف برعب وكأنه في انتظار فاجعه تزيد من توتره
على الطرف الاخر يستلم وزير الدفاع السماعة من مدير مكتبة ويدعو رئيس الجهاز والنائب الأول للحضور للقيادة العامة بأسرع ما يمكن كانت المكالمة مغتضبه لا تحمل شيء الامر الذي اثار حيرة عمر محمد الطيب وجعله يضرب اخماس في اسداس وهو فى طريقة للقيادة العامة
قبل الولوج الى قاعدة الاجتماعات وصل عدد من التقارير ترصد سير الشارع الغاضب التقرير يقول بان شوارع أربع مدن سودانية تمور وكأنها مرجلاً يغلي المظاهرات الان في توقيت واحد في كل مدن الخرطوم، الأبيض، ود مدني، وعطبرة. وخرج طلاب جامعة الخرطوم في مظاهرة حاشدة طافت منطقة وسط الخرطوم مما جعلها مظاهرة بها من جموع الطلاب والحرفيين والتجار ما يفوق قدرات الشرطة على السيطرة، الساعة تشير الى الثانية عشر ظهراً اغلب مدن العاصمة الثلاث تهتف بسقوط النظام.
اللواء عمر محمد الطيب في موقف لا يحسد عليه لقد وجد نفسه فجأة في منصب الرجل الأول بالدولة بعد سفر الرئيس نميري لأمريكا. هذا بالإضافة الى مهامه اخري تتمثل في إدارة جهاز أمن الدولة والتحرك لقمع هذه التظاهرات والحد منها حتى لا تكون متعددة ومنتشرة بالقدر الذي يهدد النظام في استمراريته هو الان يستشعر الخطر تماما يقف امام وزير الدفاع الذي يبلغه رفض قادة الوحدات العسكرية لطلبة فاذا رغب في مناقشتهم فهم الان متواجدون بقاعة الاجتماعات.
النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس جهاز امن الدولة يتصبب عرقاً يخفى رجفه أصابعه الا ان ارتعاشه شفتيه فضحته خرج صوته متوسلاً قاده الوحدات
– الحقيقة اننى اتيت اليكم فقط كرفاق سلاح وطلبي بإعلان حاله الطواري من باب الحفاظ على امن وسلامه البلد فالسودان مستهدف من قوي اجنبية وحركات تمرد
نظر اليه الجميع بصمت وعيناه تدور ان في محجريهما دون توقف نظر الى الأسفل يعبث بأصابع يديه بتوتر بالغ و قال: –
– لا اريد ان اعلمكم ان طلب الرفيق في وقت الحاجة لا يرد …. يشهد الله بان زاهد في حكم هذه البلاد …. لا اريد ان احكم فالدنيا فأنيه ولكن قلبي على السودان .
اخذ قاده الوحدات العسكرية يتبادلون النظرات، واصل النائب الأول استعطافه الظاهر للمؤسسة العسكرية
– لقد ادينا قسماً وبيعة تلزمنا ديناً بالتدخل لإنقاذ الوضع اننى مثلكم أدين بالولاء للقائد الامام
قال كلماته تلك وهو ينظر الى وزير الدفاع الذي سرت فيه ارتعاشه صغيرة ،عمر محمد الطيب بارعاً في علم النفس ضرب على الوتر الحساس للفريق الدهب (الدين) فهو يعلم جيدا مدي حساسية الأمور الدينة بالنسبة لتلك الشخصية التي أغلقت عقلها واصبحت تتمسح بسربال خرقة باليه وضعها لها حسن عبدالله الترابي كأنها استار الكعبة .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى