اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة: في بلاط صاحبة الجلالة

مشاهدات من الرقراق

الكاتب البريطاني توماس كارليل (1795— 1851 ) ،مؤلف كتاب : ” الثورة الفرنسية ” وكتاب : ” الأبطال وعبادة البطولة ” ،هو الذي اطلق على الصحافة اسم : ” السلطة الرابعة ” ، على اعتبار أن البرلمان البريطاني، فيه ثلاث جماعات ، هي : اللوردات ( العلمانيين ) ، والنبلاء ( رجال الدين ) ، والعامة ( النواب ) . وقد خطأ بعض مثقفينا المحدثين في الوطن العربي ، تسمية رجال الصحافة ب ” السلطة الرابعة ” ، على اعتبار ان الاسم في اللغة الانجليزية ، لهذه المجموعات في البرلمان البريطاني : ( جماعات ) وليس ( سلطات ) .ولكن الامر عندنا في السودان قائم على غير امر الترجمة الخاطئة في الوطن العربي ، اذ جاءت تسمية الصحافة بالسلطة الرابعة ، من منطلق ان مستويات الحكم عندنا ثلات : السلطة التنفيذية ( الحكومة — رئاسية كانت ام برلمانية ) ، والسلطة التشريعية ( البرلمان — أيا كان اسمه : الجمعية التأسيسية او المجلس المركزي او مجلس الشعب أو المجلس الوطني ) ، والسلطة العدلية ( القضاء ). ومن هنا جاءت تسمية الصحافة ب ” السلطة الرابعة ” . فالتسمية عندنا سليمة ، حتى لو اتكأ الاسم في الوطن العربي على ترجمة خاطئة لعبارة توماس كارليل . وقد نشأت الصحافة السودانية ، قبل ميلاد الحركة الوطنية ، وبالتالي قبل ميلاد الاحزاب السياسية المعروفة ، والنضال من اجل الاستقلال . وظلت الصحافة السودانية تتأرجح بين الحرية الكاملة والحرية الجزئية والكبت الكامل ! وقد عانت من الرقابة والمصادرة ابان حكم السابع عشر من نوفمبر ، وكذلك ابان الحكم المايوي ، وان كان الحكم المايوي قد زاد الشعر بيتا — كما يقولون — ، اذ ذاقت الصحافة تحته التأميم . وابان حكم الانقاذ تراوحت احوال الصحافة بين الايقاف الكامل والايقاف المؤقت والحرية النسبية فقط وليس الكاملة ! وبعد ثورة دسمبر الراهنة ،انطلقت الحرية الصحفية ، من ضمن الحريات العامة . لكن شاب الامر شئ من غبش خلفيات الجماعات المكونة لقحت ! فبدأ التململ من لذع النقد لممارسات بعض الافراد والجماعات ، وبدأ الهمس ثم الجهر الخجول : بألا حرية لأعداء الحرية ، وما شاكل ذلك من ترهات . وانتهى الامر بحل نقابة الصحفيين ، ومصادرة بعض الوسائل الاعلامية ، مقروءة ومسموعة ومرئية ! مما ادى الى انتقاد جمعيات حقوق الانسان ، وبعض المؤسسات الاقليمية ” اتحاد الصحفيين العرب ، واتحاد الصحفيين الافارقة ” ، والدولية ” اتحاد الصحفيين العالمي ” ! والواقع ان اهل الحكم في اعرق الدول الديموقراطية يعانون من لذع الصحافة . ووصلت سلطة الصحافة حد اسقاط اكبر رئاسة ديمو قراطية في العالم ( الرئيس الأميركي رتشارد نيكسون — وفضيحة ووتر قيت الشهيرة — ) ! ولكن — الكوابح — لتجاوزات الاعلام موجودة في مجالس الصحافة والمطبوعات والنيابة والقضاء . لكن الكابح الاكبر لتجاوزات الاعلام ، انما يجئ من نضج المجتمع ، ورقيه في السلم الحضاري . وأنا شخصيا لم ادرك في كامل وعي صحافة الديموقراطية الأولى ، ولكني ادركت بكامل الوعي ، صحافة الديموقراطية الثانية ، بعد ما عرف بثورة اكتوبر 1964 ، وقد كانت صحافة ناضجة ، بل كاملة الدسم ! ولا ابالغ اذا قلت انها كانت مدارس ، لاتقل روعة عن مدارس وزارة التربية والتعليم في ذلك العهد السعيد ، وقد رضعنا من لبانها فكرا وثقافة وادبا وسياسة ووعيا ! ألم يكن عمود عبدالرحمن مختار في صدر صحيفة الصحافة : ” عزيزي القارئ ” مدرسة ! أم ألم يكن عمود علي حامد في صدر صحيفة الرأي العام : ” في الصميم ” مدرسة ! أم ألم تكن يوميات بشير محمد سعيد في ثالثة صحيفة الأيام مدرسة ! ورحم الله القائل : أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم ….وأتيناه على الكبر ! وبالطبع ادركت في كامل النضج صحافة مابعد انتفاضة ابريل — الديموقراطية الثالثة — ، وقد كانت مع كل الاسف ، اقل نضجا ورصانة ودسامة ، من صحافة الديموقراطية الثانية ، اذ ركنت الى المكايدة والدس ، وسممت الاجواء مما مهد لانقلاب الانقاذ ! وأما صحافة الديموقراطية الرابعة — الراهنة — فتحوز على قدر من النضج والرصانة طيب ، وان كانت تحتاج الى المزيد والمزيد من النضج والرصانة والموضوعية ، لتكون بجانب الشباب الصانع للثورة ، ركنا ركينا لانضاج التجربة الديموقراطية ، والحفاظ عليها ، سيما وقد رفدها رافد ثر غني ، هو الصحافة الاليكترونية ، الذي لم يتوفر لصحافتنا من قبل ، وطوال تاريخها المجيد .والصحافة الاليكترونية ، لسان من ألسنة هذا الزمان المتسارع الخطا ، على سلم الرقي والتقدم ، وهي بلا شك سترتقي بالصحافة السودانية ، اذا قيض الله للبلاد : سلاما مستداما ، واقتصادا جيدا ، وحكومة راشدة منتخبة انتخابا صحيحا ، وليس ذلك على الله بعزيز . يبقى ان تتذكر جميع الاطراف ، حكاما ومحكومين وصحفيين ، في بلادنا العزيزة ، ان الصحافة : مقروءة ومسموعة ومرئية ، هي المراة الصقيلة ، التي تعكس الوجه الجميل ، للمدى الذي بلغته امتنا ، على سلم الرقي والتحضر ، ولذلك سميت : صاحبة الجلالة ، فلندلف الى بلاط صاحبة الجلالة ، مع التجلة والانحناء .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى