اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة:  نعم…نعم…خرطومنا الجميلة

مشاهدات من الرقراق

ما زلت أتميز من الغيظ ، كلما ذكرت كلمات الشماتة الاثمة ، التي خطها يراع الخواجة ألن مورهيد ، في كتابه : النيل الازرق blue nile ، في ساعة هزيمة من هزائم الوطن المرة ، قال يصف استسلام اخر ملوك السلطنة الزرقاء ، للباشا اسماعيل بن محمد علي باشا : الان انتهت ثلاثة قرون من الهمجية والقذارة ! وعاد الخواجة ذاته وكررها في كتابه : النيل الابيض white nile ، يوم انتكست راية الوطن في كرري المشهود ، بعد ان مهر ابناؤه بدمائهم الطاهرة ، وهم يسقطون بالعشرات امام بنادق المرتين ، المحرمة دوليا يومذاك ، قال الخواجة وهو يدخل المسجد الكبير بالخرطوم : اليوم انتهت الحروب الصليبية ! وانا اقول اليوم ، في كتابي : حب السودان ، بمناسبة ابتدار حملة نظافة الخرطوم ، التي أعلنها والي الخرطوم الجديد ، اقول : الان بدأت سنوات ، مديدة مجيدة ، باذن الله ، من النظافة والتحضر . واقول في كتابي الاخر : احب وطني : الان انتهت الحرب التواكلية . نعم…بدأت الحرب الوطنية على جبال النفايات واكداس الاهمال ، ردا على مقالتي الخواجة مورهيد الوحشيتين ! ولأبناء هذا الجيل المظلوم ، من ابنائنا وبناتنا ، الذين لم يشهدوا الخرطوم ، يوم كانت عروس المدائن ، اقول : صدقوا أو لا تصدقوا ، ان الشيخ زائد ال نهيان ، قال في سبعينات القرن الميلادي الماضي ، لمهندسنا الشاب كمال حمزة : تكفى يا ابو حمزة ، سوي لي ابوظبي ، مثل الخرطوم ! انها الخرطوم يا ابنائي وبناتي ، عروس المدائن ، التي استضافت مؤتمر اللاءات الثلاثة العظيم ، الذي داوى جراح العروبة الغائرة ، بعد هزيمة يونيو الماحقة ! انها الخرطوم يا ابنائي وبناتي ، عروس المدائن ، التي استضافت مؤتمر القمة الافريقية ، والذي اصر الرئيس الجزائري هواري بومدين خلاله ، على ان يمشي راجلا ، من فندق الهيلتون بالمقرن ، الى قاعة الصداقة ، قبالة معدية توتي ، عبر شارع النيل المشجر المزهر النظيف ! فلتهبوا يا ابنائي وبناتي ، لنعيد خرطومنا الجميلة ، التي طمستها القمامة ، وغطتها القاذورات ! استنهضكم ايها الشباب : اولا ….وثانيا…والفا….لأنكم الاكثر فهما …والاكثر احساسا بقبح القاذورات …وسوء الهمجية…التي رمانا بها الخواجة مورهيد ! هيا لتغرسوا في افئدة ابناء جلدتكم ” عادة النظافة ” ، وارعوها حتى تتجسد في اعماقهم ” قيمة النظافة ” ، ثم ثابروا على تعهدها حتى تغدو ” سلوكا ” ، فقد روى الدكتور سيد احمد نقد الله ، عميد معهد الدراسات الافريقية والاسيوية ، بجامعة الخرطوم سابقا ، في صفحته ( حديث الثلاثاء ) ، الذي كان يحرره باحدى صحفنا السيارة ، في ثمانينات القرن الماضي ، وتحت عنوان : دروس من لانكستر ، ابان انتدابه للتحضير لدرجة الدكتوراة من بريطانيا ، أنه خرج وأسرته ، في عطلة نهاية الاسبوع ” الويك اند ” ، الى حديقة من الحدائق العامة ، فجاءت اسرة بريطانية ، مكونة من أب وأم وطفل صغير بدأ يدرج في المشي ، وبعد ان جلسوا ، قامت الام باخراج ثلاثة اصابع من الموز ، فأعطت احدها ، بعد ان قشرته جزئيا ، واعطت زوجها واحدا ، واخذت لنفسها ثالث . قال الدكتور نقدالله : فطفقت اراقب الطفل ، وهو يأكل الموز بكل نظام ، فلما انتهى من اكله ، تلفت حتى رأى سلة القمامة ، فدرج نحوها ، وفتح الغطاء بصعوبة ، ووضع القشرة ، وعاد مبتهجا نحو والديه ، اللذين كانا يرقبانه في جذل ! اضاف الدكتور نقدالله : فالتفت الى اسرتي وقلت في صوت خفيض :culture is behaviour .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى