اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة: حوار في فناء كنيسة ريفية

مشاهدات من الرقراق

في العام 1976 الميلادي ، اتيح للدكتور الفيلسوف زكي نجيب محمود ، ان يقف في ساحة كنيسة ريفية ، في الريف الانجليزي الساحر ، بين وندسور ولندن ، تلك الكنيسة التي انشأ في سوحها ، الشاعر الانجليزي وليم غراي ، واحدة من عيون الشعر العالمي . وكان الدكتور زكي ، قد قرأ هذه القصيدة ، قراءة درس وتمحيص وتحليل — كما يقول — ، عام 1926 بكلية غردون ، في الخرطوم ، وهذا واحد من اسباب المودة بيني وبين الرجل ، الذي ما عرفته الا عبر الحروف . خمسون عاما مرت ، بين قراءة الرجل للقصيدة في خرطومنا الجميلة ، وفي رحاب بذرة جامعتنا العتيدة فيما بعد ، جامعة الخرطوم . وقصيدة غراي بعنوان : مرثية كتبت في فناء كنيسة ريفية ، وتعد من عيون العيون في الأدب الانجليزي . وقف الدكتور زكي ، في المكان نفسه ، الذي أرسل منه توماس غراي ، بصره وبصيرته معا ، ساعة الغروب ، الى مجموعة المقابر ، التي ظهرت شواهدها ، في فناء تلك الكنيسة الريفية المتواضعة . وهي مقابر الفقراء ، الذين لم يكن لهم من دنياهم ، الا العمل الشريف في المزارع والمراعي . لكنه العمل الذي يقف بصاحبه في حياته ، عند اللقمة التي تشبع من جوع ، ثم يقف به بعد موته ، عند قبر متواضع ، يشق له في فناء كنيسة . يقول الدكتور زكي : فمن ذا كان أدراني ، في ذلك اليوم البعيد ، الذي قرأت فيه قصيدة غراي ، أنني سأنعم ، بعد هذه العشرات كلها من السنين ، بأن أجول ببصري ، حيث جال الشاعر ببصره ، وأن أرى شواهد القبور ، التي ربما كانت هي نفسها ، الشواهد التي رأى ! لكن هاهي الشجرة — بذاتها — التي جلس تحتها الشاعر ، عندما أخذ بياض النهار ينقضي ، ليتلوه سواد الليل . ونظر أمامه الى اشجار ” مشعبة ” الجذوع ، يتفجر تحتها عشب جياش بخضرته ، نبت هنا وهناك ، فوق ما يشبه الكثبان المكتسية ظهورها بما يشبه الوبر ، وما تلك الكثبان المخضرة بعشبها ، الا ظهور القبور ، التي رقد فيها هؤلاء الرعاة او المزارعون ، بعد حياة كان العيش فيها شظفا ، وكانت السواعد العاملة فيها قوية ، تحطم الارض العنيدة بضربات فؤوسها ، كما تنحني لتلك الضربات غلاظ الشجر . لكنهم اليوم ، كما تقول القصيدة : لن يوقظهم نسيم الصبح المعطر ، كما كان يوقظهم …كلا ، ولا طيور السنونو ، في تغريدها على السقائف… ولا صيحة الديك في نفيره…. لن يوقظهم شئ من هذا ، فهم فوق أسرتهم الوطيئة ، راقدون الى الأبد …. لا ، لن تشتعل لهم المدفأة ، بلهبها بعد اليوم ، ولن يكون في انتظارهم ، زوجات يعددن لهم الدار ، لساعة العودة في المساء ، ولا الصغار يسرعون الى الترحيب بابائهم العائدين ، في كلمات ملثوغة الحروف …. لربما ارقدوا في هذا المكان المهجور ، قلبا كان يوما مترعا بشعلة السماء ….أو أرقدوا يدين ، كان يمكنهما — لو اتيحت الفرصة — أن تقبضا على صولجان الملك ….أو أرقدوا أصابع كانت — لو واتتها الظروف — أن تبث الحياة في القيثار …. لكن حاملات العلوم والفنون ، لم يشأن ان يبسطن صفحاتهن ، المليئة بثمرات الزمن ، أمام أبصار أؤلئك المساكين ، فكان أن أطبق عليهم صقيع الفقر …. ليخمد جذوة الالهام ، في القلب المتفتح ….وليشل الأيدي …ويخمد الأصابع ….فلا تقبض الأيدي على صولجان الحكم ، ولا تمس الأصابع اوتارا ، لتحييها بالنغم …. كم تحوي الكهوف المعتمة العميقة ، في غور المحيط ، من لالئ ، كانت لتومض ببريقها ، لو كشف عنها الغطاء ! …كم زهرة أينعت بلونها ، غير مرئية ، فضاعت نضارتها ، هباء في هواء الصحراء ! ….لقد طويت صفحة المعرفة عن اؤلئك البسطاء ، فعاشوا بمواهب خرساء بكماء ، ثم ماتوا …..لم يفصح منهم ، من كان في مستطاعه ، أن يفصح ، لو اتيح له العلم ….ولم ينبغ منهم أحد ، في فن ، او في قتال ، ممن كان كان في مقدوره، أن ينبغ ، لو لم تسد دونه أبواب الظهور….قد يكون في هؤلاء ، من كان بوسعه أن يتصدى للطغاة ، كما تصدى لهم القادة الزعماء….وقد يكون فيهم شاعر ، من قامة ميلتون ، ولكنه مكتوم اللسان ، فلم يفتح له المجد صحائفه ليخلد….. وقد يكون في قبر من هذه القبور ، محارب من طراز كرومول ، دون أن يدنس يديه — كما دنس كرومول — بدماء مواطنيه …..انتهت القصيدة….. يقول الدكتور زكي : خمسون عاما كاملة ، مضت بين قراءتي ، القراءة الدارسة ، لمرثية توماس غراي ، وبين وقفتي في فناء الكنيسة ، بين قبورها . وقد كان محالا ، ألا تطفو في ذاكرتي عندئذ ، الأسئلة التي ألقاها الشاعر ، ساعة الانشاء ، وفحواها : كم من انسان ، حال الفقر بينه وبين التحصيل ، في دنيا العلوم والفنون ، فعاش مغمورا ، ومات مغمورا ، مع أنه قد يكون ذا موهبة ، لو وجدت ما يشعلها ، لكان صاحبها ، عالما فذا ، او شاعرا عبقريا ، أو قائدا لامعا ! قلت : وأنا أطرح ذات الأسئلة التي طرحها توماس غراي….ثم طرحها الدكتور زكي…..ألما وحسرة على عشرات الرجال الأذكياء ، والنساء الذكيات ، من أبناء جلدتي ، الذين واللائي ، كان من الممكن ، أن يلمعوا ويلمعن ، أقمارا في سماء العلوم والفنون والدفاع عن حقوق الانسان ، لو اتيحت لهم — فقط — الفرصة !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى