اعمدة ومقالات

عمير محمد زين:دروس ٌ من اكتوبر وابريل

 

القارئ لتاريخ السودان الحديث يلاحظ ان الفترة الانتقالية ما بعد ثورة اكتوبر تميزت بالصراع بين القوى الحديثة ممثلةً في اليسار والنقابات من جهة والقوى التقليدية ممثلة ً في الحزبين الكبيرين من جهة أخرى ،فقد سقطت الديكتاتورية الأولى عملياً يوم 26 اكتوبر 1964 باعلان الفريق عبود حل المجلس الاعلى وبدأ المفاوضات مع ممثلي الثورة الذين كانوا من جبهة الهيئات (تحالف قوى نقابية من اساتذة جامعة الخرطوم والمحامين والاطباء) فيما يذكرنا بتجمع المهنيين ، تميزت تلك المفاوضات باصرار العسكريين علي بقاء الجنرال عبود رأساً للدولة وباستمراره في مهامه كقائد عام للقوات المسلحة (قارن هذا باصرار المجلس العسكري الانتقالي علي الرئاسة ووزارتي الدفاع والداخلية وجهاز الامن )
بعد 4 ايام من المفاوضات تم تكليف سر الختم الخليفة بتشكيل حكومة غلب عليها ممثلو جبهة الهيئات والمتعاطفون مع الحزب الشيوعي الامر الذي أدى الى عدم رضا الاحزاب التقليدية عنها فسقطت في فبراير 1965 واستبدلت بحكومة هيمن عليها حزبا الأمة والاتحادي مع جبهة الميثاق الاسلامي .
استمر عبود رأساً للدولة حتى قيامه بعزل الضباط الذين انحازوا للثورة الشعبية مستعملاً سلطاته كقائد عام مما نشر اشاعات عن نوايا انقلابية للعسكر ادت الى انفجار “ليلة المتاريس” التي ادت الى استكمال مدنية السلطة وتنحي كامل لعبود (قارن هذا مع مظاهرات مساندة شرفاء القوات المسلحة في ال 20 من فبراير 2020 التي دعت لها لجان المقاومة بالخرطوم ) .
حدث آخر يهمنا استعراضه ونحن نتأمل تاريخ ثورة اكتوبر هو ما عرف بأحداث الاحد الاسود حيث اندلعت مواجهات بين محتشديين جنوبيين والشرطة عندما كانوا في انتظار عودة “كليمن امبورو ” القيادي الجنوبي انذاك والوزير في الحكومة الانتقالية وقد خلفت تلك الاحداث حوالي 100 قتيل ‘ اضافة الى ذلك فقد فشل مؤتمر المائدة المستديرة في تلبية مطالب الجنوبيين وبالتالي ضاعت فرصة لتحقيق سلام بمخاطبة جذور مشكلة السودان في الجنوب .
من السرد التاريخي المختصر أعلاه من السهل ان نصل الى استنتاج مفاده ان الفترة الانتقالية ما بعد اكتوبر وان حققت سلطة مدنية انتقالية كاملة بمجلس سيادة مدني وحكومة مدنية الا انها اتسمت بصراع جبهة الهيئات والاحزاب كما انها اضاعت فرصة لتحقيق سلام في الجنوب فججاء الانتقال الديمقراطي منقوصاَ .
• بدأت نهاية الديكتاتورية الثانية يوم 26 مارس 1985 بمظاهرة من جامعة امدرمان الاسلامية وسرعان ما برز التجمع النقابي كتحالف للفئات المهنية على غرار جبهة الهيئات التي قادت ثورة اكتوبر فأعلن الاضراب العام والعصيان المدني الشامل في الرابع من ابريل وبعد يومين أطلت القوات المسلحة ببيان تلاه وزير الدفاع عبر الرحمن سوار الدهب معلناَ نهاية نظام مايو .
في اليوم التالي انخرط الجيش في مفاوضات مع قادة التنظيمات المهنية والعمالية اسفرت عن تشكيل مجلس عسكري انتقالي وعن حكومة مدنية ايضاَ تمسك الجيش بسيطرته على وزارتي الداخلية والدفاع والابقاء على قوانين سبتمبر .
لقد تميزت هذه الفترة الانتقالية بسيطرة الحركة الاسلامية عن طريق دفعها باحد المتعاطفين معها ليكون رئيساَ للوزراء اضافة الى رئيس المجلس العسكري نفسه الذي اصبح فيما بعد رئيساَ لمنظمة الدعوة الاسلامية ( احدى واجهات الحركة ) ومديراَ لاحدى حملات المخلوع البشير الانتخابية .
بقيت مسألة قوانين الشريعة نقطة الخلاف الرئيسية بين الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق (قارن هذا بسير المفاوضات مع الحركة الشعبية الان في منبر جوبا ) .
بدات مفاوضات في اثيوبيا بين الحركة الشعبية والتجمع الوطني لانقاذ البلاد مع ممثلين لحزب الامة ، قاطعت السلطة الانتقالية والجبهة الاسلامية والقومية والحزب الاتحادي هذه المفاوضات التي توجت باعلان كوكادام في 20 مارس 1986 الذي أمن على قيام مؤتمر دستوري وتشكيل حكومة جديدة بمشاركة الحركة الشعبية وذلك بعد رفع حالة الطوارئ و الغاء اتفاقيات الدفاع المشترك مع جيران السودان واعادة العمل بدستور 1956 .
فشل الاعلان بعد حملة شعواء قادتها ضده الجبهة الاسلامية القومية مع تنصل احزاب بارزة اخرى مما تم الاتفاق عليه وتواصلت الحرب في الجنوب بل ان الحركة الشعبية وصفت النظام الانتقالي بأنه امتداد لنظام المخلوع نميري وأنه ” مايو 2 ” .
وهكذا فشلت السلطة الانتقالية في تحقيق السلام في الجنوب ووقف الحرب ، كما انها لم تنجح في ازالة اكبر اثار نظام مايو الا وهي قوانين سبتمبر وتم ترحيل كثير من المشكلات الى الفترة الديمقراطية الثالثة لتولد حكومة تتسم بضعف في المشاركة الشعبية (تعذر وتأجل قيام الانتخابات في الكثير من دوائر الجنوب ) .
في الختام نخلص للاتي :
• تشكلت كلتا السلطتين الانتقاليتين ما بعد اكتوبر وابريل بعد مساومة مع جزء من النظام السابق وهم قادة القوات المسلحة ، وهو نفس ما حدث بعد ثورة ديسمبر مع ظهور عامل جديد وهو وجود قوات الدعم السريع
• تميزت كلتا الفترتين الانتقاليتين بالحرب الاعلامية بين ما يعرف “القوى الحديثة ” و” القوى التقليدية وهو ما نلمسه حتى في هذه الفترة والأمر الذي امتد حتى الفترات الديمقراطية فجاءت الديكتاتوريتان الثانية والثالثة بدعم الحزب الشيوعي والجبهة الاسلامية على التوالي
• الصراعات السياسية هي من طبيعة الديمقراطية التعددية طالما ان ذلك يتم باستخدام ادوات الحكم الديمقراطي نفسه .
• الفشل في الوصول الى السلام ادى الى ديمقراطيات هشة سرعان ما تسقط بفعل الجنرلات المدعومين بقوى سياسية
• شكلت مسألة الدين والدولة عاملاَ حاسما في تعثر الوصول الى السلام ما بعد ثورة ابريل وحتى خلال الديمقراطية الثالثة

المراجع
كتاب تاريخ السودان الحديث …روبرت او كولينز
مقال من ذاكرة التاريخ: جبهة الهيئات وحكومات 21 أكتوبر 1964 الانتقالية 1) .. بقلم: بروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه
كيفَ ولماذا نجحَ الإسلاميون في إجهاضِ انتفاضةِ أبريل 1985؟ دُروسٌ لثورةِ ديسمبر 2018 .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان
اعلان كواكادام من كتاب جنوب السودانية في المخيلة العربية منصور خالد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى