اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة:  النصف الملئ من الكوب

مشاهدات من الرقراق

لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب قولة وضيئة جدا : لا تجبروا أولادكم على أخلاقكم ، فانهم قد خلقوا لزمان غير زمانكم . وما أكثر ما كنت ارددها على مسامع زملائي وزميلاتي المعلمين والمعلمات ، كلما جاءوني يشتكون من تصرفات تلاميذهم وتلميذاتهم ، فهي قاعدة تربوية ثمينة تغني عن مجلدات من محاضرات في التربية وعلم النفس . وظللت بذات المقولة العمرية العميقة الاحي الاباء والاخوة الكبار والامهات ، حين يجأرون بالشكوى من غرابة وشذوذ تصرفات شباب هذا الجيل .ويحكون حكايات هزلية، بل مما يسميه النقاد المحدثون : ” اللامعقول ” ! حكايات عن ( قصة شعورهم )، وعن ملابسهم ، وعن لغتهم الفجة ! كانت دعوتي دائما للكبار : اقتربوا من هؤلاء الشباب ، اظهروا لهم المودة والاحترام ، ثم اجروا معهم حوارا هادئا وعميقا ، وأنا وثق جدا انكم ستندهشون لبراءتهم بل سذاجتهم وطيبتهم ، ان دواخل هؤلاء الشباب نقية نقاء ماء السحاب ، عذبة عذوبة ماء الينابيع في البراري البعيدة ! لهؤلاء الشباب ظلامات مشروعة ، يعرفون بعضها ، ويجهلون بعضها . اننا لم نقدم لهم التعليم الجيد ، لم نوفر لهم المناشط التربوية والثقافية والاجتماعية والرياضية ، التي تستفرغ الطاقات الفائرة المائرة في دواخل من كان في اعمارهم ، ذكرانا واناثا . لم نوفر لهم الوظائف ،التي تلائم تخصصاتهم ، وتشبع تطلعاتهم ، لبناء اسر سعيدة هانئة . قال لي احد الاباء : انظر لابن فلان هذا ، يصلي معنا في المسجد بحلاقته الغريبة وملابسه الأغرب وما يحيط عنقه من سلاسل وسماعات هواتف .في احدى الصلوات ، وكما هو معتاد ، قال الامام لما قمنا للصلاة : استووا .فنظر ابن فلان هذا يمينا وشمالا ، ثم قال في صوت جهوري : ( اوكي امامو ، وي ار ريدي ، يو كان استارت ) ! فأخذنا العجب من قوله ، الذين يعرفون الانجليزية ، والذين يجهلونها ! قلت له : على رسلكم هداكم الله ، تناسيتم جواهر كثيرة ، وتمسكتم فقط بمظهر واحد ، حسبتموه شاذا . تناسيتم تردد هذا الشاب — بصرف النظر عن مظهره — على المسجد ، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول : اذا رأيتم الرجل يعتاد — او قال يرتاد — المساجد ، فاشهدوا له بالايمان . وتناسيتم أنه حين قولته هذه كان في الصف الاول ، وفي الأثر : ان الله وملائكته يصلون على اهل الصف الاول . ونسيتم او تناسيتم قوله صلى الله عليه وسلم : ان الله لا ينظر الى اشكالكم ولا الى صوركم ، التقوى ههنا ، قالها ثلاث مرات وهو يشير الى صدره الشريف . قلت واذكركم بنفحة عمرية كما استفتحت لكم حديثي بنفحة عمرية : شكا رجل ابنه لأمير المؤمنين عمر ، قال انه أهمله في شيخوخته وهرمه ! فاستعى عمر الشاب ، وسأله لم فعل ذلك ؟ فقال الشاب : عقني يا أمير المؤمنين قبل ان أعقه ، وضعني في رحم غانية مجوسية ، وسماني جعرانة ، ولم يحفظني القران !فقال عمر : اذهب ، فقد حقا عققته قبل ان يعقك ! فلنكن عمريين : ننظر الى النصف الملئ من الكوب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى