اعمدة ومقالات

عبدالله ابو علامة:تزبب قبل أن يتحصرم

مشاهدات من الرقراق

يقول موكس مولار : اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة . ويقول اديبنا العملاق الطيب صالح : ركاكة اللغة ، دليل أكيد ، على سماجة الفكر ، وقصور الهمة ، ودناءة الطلب . والسؤال الجدلي القلق هنا : من يصنع من ؟ هل اللغة تصنع الفكر ؟ ام الفكر يؤطر اللغة ؟ الثابت أن الفكر العميق تحمله لغة ناضجة ، واللغة الناضجة تحمل فكرا عميقا . الكبار — معنى ومبنى — يكتبون فكرا عميقا ، بلغة ناضجة ، فأنت لا تدهش ، ولكن الدهش يصيبك اذا وجدت غرا يكتب فكرا عميقا بلغة ناضجة ، وهذا ما وقع من تلميذ في نهاية المرحلة الثانوية ، استخدم مفردات ناضجة جدا ، وصور صورا عميقة جدا ،وانظر الان : كل الطيوب الحلوة يا مولاتي والجيد الرقيق وخطاكي والهدب المكحل وفتنة التوب الأنيق في لحظة مرت كالظلال يعبر رؤاي احساس عميق فتحتي جرح الليل عزا من صمتي ما قادر أفيق ……………………هذا القاموس ، الشديدالدقة ، الشديد الرقة والرهافة : الطيوب الحلوة ، مولاتي ، الجيد الرقيق ، الهدب المكحل ، التوب الأنيق ، الظلال ، رؤاي ، ………….. ثم احدج شذرا ان شئت هذه الصور الساحرة : لحظة مرت كالظلال ، يعبر رؤاي احساس عميق ، فتحتي جرح الليل عزا ، من صمتي ما قادر أفيق ، …….. تلميذ في نهاية المرحلة الثانوية ، بداية المراهقة الجنسية ، والنأنأة اللغوية ، والضبابية الفكرية ، يعشق بنت الجيران ، التي تكبره سنا ، وهي تعرف أنه يحبها ، ولكنها لا تعيره انتباها ! بل تجاهره بحب شخص اخر ، ربما كان انضج سنا ، او أكثر وجاهة ، او يحتل مركزا اجتماعيا محترما ، وهذا لا يغضب تلميذ الثانوي المتيم ، وان كان يجعله يوقن بأن الشعر لا يدخل جنة الحب ! تلميذ الثانوي التيجاني سعيد محمود ، يكتب : ” من غير ميعاد ” ، اول نفس له في خميلة الشعر ، في بنت الجيران ، ويقدم القصيدة للشاعر الرقيق محمد يوسف موسى ، فينشرها هذا ( لا أدري أين ) ، فتلتقطها عينا المبدع محمد عثمان حسن وردي ، ويحبها ، بل يشغف بها ، وربما جرى لحنها في خاطره ، قبل أن يعرف شاعرها ، وهو واثق ان احدا لا يأبى أن يغني له وردي ، ويشجعه محمد يوسف على ذلك ، خوفا من ان يستنكف عن غنائها اذا علم أن شاعرها تلميذ في المرحلة الثانوية ! وفعلا حين قابل وردي التيجاني ، قال له في صراحة جارحة : لو كنت عارفك شافع ، ما غنيت ليك ! ويوم غناها وردي على الهواء ، كانت الجارة المعنية ، تجلس بين افراد اسرة التيجاني في بيتهم ، فلما ذكر وردي اسم شاعر الاغنية قبل أن يشرع في أدائها ، التفتت اليه في دهشة متسائلة : هل أنت المقصود ؟ رد في هدوء : طبعا ، فعادت تسأله : فيمن كتبتها ؟ فرد بذات الهدوء : في واحدة من جاراتنا . فتبسمت ، ولم تزد على ذلك ، وكانت هذه الابتسامة كل ما ناله من حبه لها ! ولما شاع في الحلة ، ان اغنية وردي ” من غير ميعاد ” في فلانة ، أحس أنها كانت راضية كل الرضاء ، ولكنها مع ذلك لم تهبه اي اشارة تنبئ عن حب ، او حتى امتنان . وظلت هذه القصيدة أثيرة عند التيجاني ، لأنها قدمته للجمهور العريض ، وجعلته يجلس على ذات المنصة ، التي جلس عليها شعراء وردي الكبار : اسماعيل حسن ، والفيتوري ، وصلاح احمد ابراهيم . ويصدق على التيجاني سعيد ، تلميذ الثانوي ، الشاعر الناضج ، قول العلامة ، اللغوي الذواقة ، الشيخ الطيب السراج ،يوم اندهش من نضج شعر التيجاني يوسف بشير ، فقال قولته المشهورة : التيجاني ، تزبب قبل أن يتحصرم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى