انتصار الحاج

إنتصار الحاج:رد الجميل

تفاصيل نسائية جدا

قل للذي ملأ التشاؤم قلبه 

و مضى يضيق حولنا الآفاقا
سر السعادة حسن ظنك بالذي
خلق الحياة و قسم الأرزاقا

(الإمام الشافعي )

العمل هو تكليف و أمانة قبل أن يكون تشريف..والعمل في حد ذاته مهما كان عائده ودخله و (بساطته ) يعتمد كليا على علو الهمة ، والصدق ، و الأمانة و المسؤولية .
هناك بعض الأشخاص نقابلهم في الحياة العامه اليوميه تسعدنا مواقفهم النبيله تبقى في الذاكره ،و الخاطر ، مهما خطت الأيدي لوصفها عجزت عن وصف روعتها و مهما تقدمنا (شكرا و عرفانا) لهم نظل مقصرين امام تلك المواقف الرائعه النبيله …وعاجزة كلمات الثناء (متقزمه ) لا توفيهم حقهم .
سميره فتاة ( اربعينيه ) في مقتبل العمر ؛ دفعتها ظروفها الإجتماعيه والإقتصادية الصعبة في السودان لترك ؛ مقاعد الدراسة و أجبرتها للخروج للبحث عن عمل (شريف ولقمة حلال) فبحثت عن الوظائف التي لا تتطلب (مؤهل) غير الأمانة و حسن التعامل عملت في إدارة ( صالون تجميل ) في العاصمة الخرطوم .
تقبل المجتمع السوداني فكرة عمل المرأة في هذه المجالات نسبة لظروف البلاد الاقتصاديه …توزعت أغلب النساء على مختلف الوظائف العامة و الخاصة و(البسيطة ) ؛
سميرة وضعت لمساتها على (محل الكوافير) فصار اسما على مسمى( لمسات )…تجذب كل الزبونات بطريقتها اللطيفه…و ابتسامتها الوادعة الدائمة التي لا تفارق ثغرها .. كل هذا اكسبها و دهن وحبهن ..جاهدة نفسها لتجد حل عند تأخير ( الحنانة ) وبعض العاملات تحت إدارتها و بعض المسائل الأخرى ؛ لدى (سميرة) الحل المناسب ..!…(مافي حد يزعل مننا يا جماعة ) …(طيب ممكن في المسافة دي نشرب قهوة على بال الحنانة توصل ) ..فجأة يتغير جو المكان الذي في كل مرة يدهشني بنظامه ، و ترتيبه ، و ديكوره الأنيق….رائحة البخور و القهوة الشهية تملأ المكان و العطر الجميل ( تجبرك على طولة البال ) بكل هدوء ننتظر جميعنا هذه الساعات الطويلة التي نقضيها برفقتها تذهب عنا القلق و التوتر و الأصوات العالية ( ضجة الزبونات ) ، و زحمة المكان .
رحلت سميرة عن هذه الفانيه بنفس الهدوء و نفس السماح (
اااي والله ماتت سميرة) و هي تحمل مفاتيح المحل في يدها الأمينة دون أن تقول( مع السلامة) كعادتها ملوحة بيدها (اللهم ارحمها واغفر لها ) …توفت (سميرة ) و هي عائده ادراجها للمنزل تاركة أخوانها اليتامى دون معين ولا عائل …. كثيرا ما حدثتني عن نيتها ل اختيار (عروسة جميلة ) لأخوها الصغير (احمد) (انا همي بس احمد ) … اخوي الثاني مريض ( شويه عيان)…. لو عندك زمن ممكن احكي ليك عن ظروفي) … في بعض الأحيان لو( الظروف سمحت ) و مريت بالشارع لابد من أزورها و اطمئن على احوالها واسألها عن ظروفها و حالها لعلها تجد عندي ما يطيب خاطرها بكلمة طيبة (الكلمة الطيبة صدقة ) … واحيانا شوقا لتلك الملامح و حلو الحديث ؛ أصدقها القول أخفف عنها ألم المعاناة و كثرة( الهموم ) بذكر قصص كثيرة مشابهة في الكفاح و النجاح ، و قهر الظروف…قصص مختلفة ، و نجاحات مبهرة ، و محفزة ومعينة لهذه الحياة و أمثلة كثيرة لبعض الأسر التي تتكفل بأعالتها النساء العاملات … تفرح كثيرا بحديثي و حكاياتي تعتذر (اخدت من زمنك كتير معليش …!)…. (لالا يا سميرة العفو نحن اخوات ) …آخر كلمات و آخر وداع بيننا تلك الكلمات .
الشاهد في الأمر أن الحياة ربما تضع امامك (اشخاص) يجدوا (عندك) و(معك) ما عجزت انت نفسك عن اكتشافه في (شخصك) و ذاتك …!!
للاسف لم افقد سميرة و هي (عايشة ) بيننا طالت المسافة و بعدت الشقه دون قصد مني ظروف و مشاغل الحياة … فجأة تلقيت خبر وفاتها (كالصاعقة) امام ذكرى (لمساتها و كوافيرها ) في نفس المكان الذي صادفته فيها اول مرة …يا لسوء الحظ لم اتفقدها إلا بعد أن غادرت هذه الفانيه..!! … أيقنت انه (يجب أن لا نبكي على أصدقائنا ؛ إنها رحمة ان نفقدهم بالموت ، و لا نفقدهم و هم أحياء ) .

قد مات قوم وما ماتت مكارهم
و عاش قوم و هم في الناس أموات.

(الأمام الشافعي )

انتصار الحاج

زر الذهاب إلى الأعلى