اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة: أين الدكتوراه يا أبا البقاء

مشاهدات من الرقراق

روى أديبنا الكبير الطيب صالح ، قال : قال ابو البقاء العكبري رحمه الله ، في مقدمة شرحه لديوان أبي الطيب المتنبي ، أنزل الله الغيث على مثواه أينما كان : أما بعد ، فاني لما أتقنت الديوان ، الذي انتشر ذكره في سائر البلدان ، وقرأته قراءة فهم وضبط على الشيخ الامام أبي الحرم مكي بن زيان الماكسيني بالموصل سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، وقرأته بالديار المصرية على الشيخ أبي محمد عبدالمنعم بن صالح التيمي النحوي ، ورأيت الناس قد أكثروا منشرح الديوان واهتموا بمعانيه ، فأعربوا فيه بكل فن وأغربوا ، فمنهم من قصد المعاني دون الغريب ، ومنهم من قصد الاعراب باللفظ القريب ، ومنهم من أطال فيه وأسهب غاية التسهيب ، ومنهم من قصد التعصب عليه ، ونسبه الى غير ما كان قصد اليه ، وما فيهم من أتى فيه بشئ شاف ، ولا بعوض هو للطالب كاف . فاستخرت الله تعالى ، وجمعته في كتابي هذامن أقاويل شراحه الأعلام ، معتمدا على قول امام القول المقدم فيه ، الموضح لمعانيه ، المقدم في علم البيان ، ابي الفتح بن عثمان ، وقول امام الأدباء ، وقدوة الشعراء ، احمد بن سليمان أبي العلاء ، وقول الفاضل اللبيب ، امام كل أديب ، أبي زكريا يحي بن الخطيب ، وقول الامام الراشد ذي الرأي المسدد ابي الحسن علي بن أحمد . وقول جماعة كأبي علي بن فورجة ، وأبي الفضل العروضي ، وأبي بكر الخوارزمي ، وأبي محمد الحسن بن وكيع ، وابن الافليلي ، وجماعة …… واقول ، غفر الله لي ، جزاك المولى احسن الجزاء يا ابا البقاء ، لقد قمت بعمل نبيل ، ونهضا بعبء عظيم ثقيل ، ولولاك وأمثالك ، لتمزقت اللغة أشلاء ،وتاهت توهان الناقة الخبطاء ، اذن لبركت بأجرانها الغمة ، واكتنف الظلام الأمة ، ورثت حبالها ، وعم ضلالها ، وأمعنت فيها عوامل الخراب والتمزيق ، فوق ما هي عليه . لو حدث ذلك لكنا جميعا نتحدث اليوم لغة كلغة شركات الطيران العربية ، ينصبون الفاعل ، ويرفعون المفعول ، ويجمعون المثنى ، ويثنون المفرد ، يذكرون المؤنث ، ويخنثون المذكر . يعربون ما لا يعرب ، ويضربون ما لا يضرب . يفعلون باللغة العربية الشريفة فعل البذاءة ، حسب تعبير اخواننا في تونس . وهؤلاء الاعاجم ، من : انجليس وفرنسيس ، وألمان وتليان ، في مطاراتهم وطائراتهم ، لغتهم فصيحة ، وأصواتهم صريحة ، وهلم جرا . لا عجب أن الأمر برمته كما نشاهد ونرى ، فركاكة اللغة دليل أكيد على سماجة الفكر ، وقصور الهمة ، ودناءة المطلب . لا عجب أن القوم يصطخبون في غير مصطخب ، ويحتربون في غير محترب . ونحن في هذا الزمان الأعوج ، كما قال الشاعر الشكري ، على كثرة ما عندنا من دكتوراهات وجامعات ، اكثر علينا من الهموم على القلوب ، والفلس على الجيوب ، والهزائم في الحروب ، والخطل في المطلوب ، لا نرى شيئا يسر الصديق ويغيظ العدو ، اللهم الا أضواء تلمع هنا وهناك بين الفينة والفينة . ولو جاءهم ابو البقاء ببحره الزاخر ، وعلمه النادر ، لما رضوا ان يجعلوه محاضرا في جامعة من جامعاتهم ، ناهيك بأستاذ ، يقولون له : ولكن أين شهادة الدكتوراه يا ابا البقاء ؟ وهم من أين يجيئون بشهادات الدكطوراه في اللغة العربية وعلومها وفنونها ؟ من : لنضن ، ومضريد ، وباريص ، ولوص انجليص . ومن : ادنبرغ ، وهايدلبرغ ، وبطرسبرغ . وما شئت من أباطيل ! هذا ، ونسخة ديوان أبي الطيب التي بين يدي الان ، طبعها مصطفى البابي الحلبي بمصر المعمورة عام 1936 ميلادية ، وقد ضبطها وصححها ووضع فهارسها الاساتذة الأجلاء : مصطفى السقا ، وابراهيم الأبياري ، وعبد الحفيظ شلبي . أجزل الله عطاءهم ، وأحسن ثوابهم . ولم تعد طباعتها بعد ذلك — حسب علمي — ، لا أدري لماذا ؟ وهي طبعة نادرة أعانني في الحصول عليها أخي حازم هاشم ، الصحافي الأديب ، بثمن ليس زهيدا ، ولكنه لا شئ بالقياس الى ما في جوفها من كنوز ، لا تقدر بثمن . وحازم أخو صدق ، محب للغة العرب ، يتحدث بها في حياته اليومية ، مؤثرا اياها على اللغة الدارجة ، وهو عليم بشعاب القاهرة المحروسة ، يعرف أسواقها وكتبخاناتها ، يخرج لك الكحل من العين ، والابرة من كوم التبن . انه واحد من عصبة كريمة نادمتهم ، كما نادم حسان بن ثابت اصحابه بجلق في الزمان الأول ، يحلون في عيني مدينة القاهرة ، وحيدة الدهر …………………فوق ما هي عليه من حلاوة . يجمعني واياهم صفاء المودة وحب لغة العرب ، وتنسم روائح النبل والشرف في القول والعمل ، في أي تلاع حلا ، وفي أي واد نزلا ، نتصيد ألمعيات المعاني ونقتفي اثار البهاليل من القدماء والمعاصرين . نفرح لأفراح هذه الأمة الشماء والرعناء ! ونأسى لماسيها ، نقول : بخ بخ ، وواحسرتاه ، وواحرباه !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى