اعمدة ومقالات

مصطفى إلياس:خيارت الثورة بين مطرقة الحالمين و سندان الراشدين!

 

يعيش السودان منذ صبيحة الحادي عشر من ابريل 2019 في حالة يصح وصفها بالسيولة السياسية اذا لم يكن لائقا وصفها بالتوهان.
و في ظل حالة انعدام البوصلة الموجهة لركب التغيير، تمخر سفينة البلاد عباب بحر الفترة الإنتقالية من غير رؤية تستبين عمق التحديات مستصحبة في ذلك استقراءا و تفهما للمناخ العام داخليا و خارجيا، فالجلي في الامر انه ليس هناك كتاب استراتيجي يقرأ منه القبطان المتوافق عليه د. حمدوك ما يرشده او علامات استدلالية تعينه في تمكب المسير و تحديد الاولويات و الطرائق لتنفيذها.
فكان نتاج كل ذلك ما نشهده اليوم من خبط و تخبط في كل شيء تقريبا.

في اوائل ايامه في المنصب، شكا السيد رئيس الوزراء امام حشد من ابناء الجالية السودانية بالرياض من انه لم يستلم برنامجا من قوى الحرية و التغيير ليكون هاديا لعمل الحكومة، ضج القوم و تلاوموا حينا و من ثم سلمته تلك القوى برنامجا انشائيا لا تملك الا ان توافق على ما يدعو الى تحقيقه، و لكن السؤال الاكثر اهمية و هو كيف يتم ذلك لم يتم التطرق لاجابته.

مؤخرا خرجت كثير من الاجسام الحزبية تنادي بالاصلاح و تبيان الرؤى في التحالف الحاكم كخطوة اولى نحو تعديل الاعوجاج البين ، ولكن حتى هذه الدعوات لم تحدد كيف يكون الاصلاح و بناءا على اي مرجعية.
هل سيكون المرجع للاصلاح هو اعلان الحرية و التغيير الذي يتسم حسب اراء الجارحين فيه بالعمومية و اجمال القول، فعلى سبيل المثال ينادي الاعلان في احدى اهم مبادئه بحلحلة الضائقة المعيشية و اصلاح الاقتصاد، بينما لم يحدد هل سيكون الاصلاح وفقا لرؤية اليسار متمثلا في الشيوعي السوداني التي تدعو لتدخل اكبر للدولة في السوق ضبطا و وتقنينا او حتى ان تدخل بصفة مباشرة في اعمال الاستيراد والتصدير لبعض المنتجات.
ام سيكون هذا الاصلاح بتنفيذ السياسات الاقتصادية المعتنقة لديانة السوق الحر.
و من هذا المثال و باستحضار تجربة السيد ابراهيم البدوي الذي و رغم انه نظريا اتى لينفذ اعلان الحرية والتغيير الا انه واجه معارضة شديدة من داخل التحالف الحاكم ممثلا في اللجنة الاقتصادية، فإنه يبدو جليا حجم الازمة.
الازمة التي عبر عنها بطريقته السيد الصادق المهدي زعيم الانصار بالقول عن وجود تياران _متباينان بالضرورة_ يقودان الفترة الانتقالية.
لا نحتاج ان نذكر هنا كيف ينتهي الحال بالمركب التي يقودها اكثر من قبطان، حالمين كانوا ام راشدين، فالكل يعرف المآلات، و لكن ما ينبغي التأكيد عليه الآن ان البلاد في مسيس احتياجها لرؤية، و كلما تأخرنا في توضيح هذه الرؤية، غاصت اقدامنا في الوحل اكثر، و اتسع الفتق على الراتق!
ينبغي وقبل كل شيء ان يعرف السودانيون حاكمون و محكومون ما هي التحديات و ما هو المطلوب إنجازه و فوق ذلك اهمية كيف يتم هذا الانجاز.
نحتاج ان نطوي صفحة النظام السابق كما طويت ايامه، و ان نوجد ارضية مشتركة، فتسقط بس التي جمعت الانصار والشيوعيون و الحركات المسلحة لم تعد هي العبارة المطلوبة ولا الفكرة الجامعة.
بعبارة اخرى نحتاج و تحتاج البلاد مخرجاً آمنا يجمع بين خيارات الحالمين و واقعية الراشدين.
فهكذا فقط نستطيع حقيقة ان نعبر وأن ننتصر.

مصطفى الياس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى