اعمدة ومقالاترشان اوشي

رشان اوشي تكتب :عسكريين ام سياسيين؟

الحاسة السادسة

Rishanoshi@gmail.com

اولاً.. من أهم وأخطر المراحل التي يمر بها بناء الدولة بأسس حديثة ، هي مراحل التحول الأولى من النظم غير الديمقراطية إلى نظام ديمقراطي حديث يتم فيه رسم وتمكين البنية الأساسية لهذه الدولة، في هذه المراحل يرتفع سقف طموحات كل فئة في نيل أكبر قدر من الكعكة الثقافية والإجتماعية والسياسية للتحول، هذا إن لم يكن حلم السيطرة على الدولة من بدايتها هو الشاغل الأساسي ، حالنا في السودان توقف في هذه المحطة.

مثلا..امس عاش السودانيين تراجيديا، ولكنها مضحكة ايضا ، تخيل معي سيدي القارئ، ان الدولة تفكر بذات عقلية المكايدة الشبابية ، عتمة تسيطر على العقول ، وتكلس مريع ، وكأن الجميع يقفون في محطة واحدة ، وهي غياب الرؤية والتفكير ، كل ما تفعله الدولة عندما يعلن شباب المقاومة عن تظاهرة، تغلق الجسور، تقطع خدمة الإنترنت والإتصالات، وتظهر بمظهر المرتبك.

اعلن الشباب عن “مليونية” ، سارعت الحكومة بإغلاق الشوارع، ونشر القوات الامنية، وضع الحاويات على الجسور، حالة من الضجيج والهلع تظهر في سلوك الجميع، ثم اعلنوا مرة ثانية تأجيلها، سارعت الدولة في فتح الشوارع وازالة الحاويات وسحب القوات، ثم ضجت الاسافير بالسخرية، اليوم، لم نجد مظاهر للاجراءات الأمنية حتى منتصف ظهيرة اليوم، مما يعني ان الجميع يفكرون بذات العقلية مع إختلاف الفئات العمرية، والمقامات و…الخ.

جزء من التراجيديا.. مصدره صحيفة القوات المسلحة، والتي تحولت فجأة من منبر للتوجيه المعنوي الى صحيفة سياسية متطرفة، وتفرغ ضباطها لكتابة المقالات ، احدهم بزيه العسكري يكتب:”ليعلم كل مواطن ان الافراد العسكريين هم ايضا موطنين سودانيين ويملكون الحق في هذا الوطن اكثر من اي مواطن عادي”، لغة مفعمة بالتعالي، والعنجهية، والتطاول على الشعب برمته، ويصور العسكريين بأنهم عدو للمواطنين ينافسونهم على المواطنة والإنتماء، ومجمل هراء لا يكتبه ناشط ارعن، ناهيك عن ضابط قوات مسلحة يسمونه فدائي لأنه يزود عن ارضه، وشعبه، وعرضه.

 مسألة مواجهة الإعلام السياسي الذي يخضع للفعل السياسي ولا تحكمه ضوابط مهنية ، اظهرهم كمهرجين في مواجهة الموجة الثورية والسياسية، وكأنهم يبذلون جهد خارقا في تسويق انفسهم كسياسيين وليس عسكريين، كل ذلك يخصم من رصيد علاقة القوات المسلحة بشعبها.

حاول الرئيس “جمال عبدالناصر” تفادي ذلك في المرحلة الأولى للنظام الجمهوري في مصر لم يهدف “عبد الناصر” إلى إقامة دكتاتورية عسكرية، “بل أراد حكمًا جمهوريًا شعبويًا مسنودًا من الجيش، ولأنه أدرك من تجربته الخاصة أهمية الجيش السياسية ودوره الانقلابي المحتمل، رغب في إبعاد الجيش عن التدخل المباشر في السياسة. أمّا الضباط الذين انتقلوا إلى العمل السياسي من مجموعة الضباط الأحرار، فطَلَب منهم خلع بزاتهم العسكرية”.

بعد رحيله، غاصت المؤسسة العسكرية في الحكم، وتحول ضباطها لسياسيين ، وقد إنعكس في شكل صراعات قادت العسكريين السابقين في الحكم إلى محاولة تأسيس قواعد شعبية من خارج الجيش، تشبه الحزب السياسي للنظام، حينئذٍ، كان عامل الولاء في تعيين الضباط في المناصب المدنية والعسكرية أهمّ من عامل الكفاءة، وتركّز العسكريون في وظائف السلك الدبلوماسي والأجهزة الأمنية، وفي القطاع العامّ الإقتصادي والحكم المحلي، إضافةً إلى الرقابة على الصحف والمؤسسات الإعلامية التي أُممت، وتحول الصراع السياسي الى مدني – عسكري، حتى اليوم.

دعونا ..نتفادى هذا السيناريو، اتركوا الخبز لخبازه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى