اعمدة ومقالات

م/مصطفى الياس:قطاع التعدين و تحديات ما بعد الثورة !

 

الفترة التي أعقبت سقوط نظام الإنقاذ الفاسد، و بداية توجه الجميع في عملية البناء و إزالة التشوهات التي خلفتها سياسات المؤتمر الوطني في مختلف قطاعات الدولة ، ظهرت كثير من القرارات التي فحواها تخبط كبير فيما يلي قطاع التعدين بالذات .
ظهر هذا التخبط و إنعدام الخطة بصورة جلية في أوائل القرارات التي تم إصدارها من قبل الوزير الجديد – السابق حاليا – و هي إحالة أمر الرقابة للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية ، فرحب به البعض و اشادوا مدفوعين بإدعاء غريب و هو ان الشركة السودانية انشأها النظام الساقط و بها عدد عظيم من كوادره وانها – اي الشركة – تغولت على مهام الهيئة ، ولا بد من إعادة الامور الى نصابها الصحيح ، صحيح هذه حسب ما يعتقدون هم بالطبع !
فالسادة القائلون بهذا القول و المنادون بهذه الدعوة لو كانوا يرفضون الشركة السودانية لأنها صنيعة الكيزان فكم غير هذه الشركة من مؤسسات لم يكن لها وجود في الفترة ما قبل عهد الانقاذ المشؤوم و ما زالت تعمل بعيد إنجلاء ليله البهيم ؟ من مؤسسات إقتصادية او خدمية ، هل هم يطالبون مثلا بإعادة جامعة النيلين الى مسمى القاهرة الفرع ، اذا إحتكمنا لهذا المنطق الاعوج !.
أما القول بأن الشركة كانت مهبطا لطلاب الاسلاميين اليفع و جهابزة الإنقاذ ممن تخطتهم إختيارات المناصب الدستورية ؛ فهذا الأمر صحيح بالطبع، و عانت منه الشركة حالها حال كل قطاعات العمل المهني في السودان التي طالها فيروس كورونا التمكين ، وأقعدها في حجر و عزل تام عن التطور و النهوض ؛ فالأمر سيان في قطاع المعادن او النفط و الكهرباء و التعليم و الصحة ، لا تفوتهم في ذلك سوءا الا بمقدار الحوافز والبدلات التي كان يهرول خلفها الفاسدون ، فالامر عام و علاجه بسيط الا و هو إزالة كل شكل من أشكال التمكين و مراجعة كل التعيينات التي تمت ،و تنفيذ القوانين واللوائح و ضبط المخالفات و تصحيحها ، وهكذا و دونما دفع لفاتورة باهظة يمكن الإستفادة من الإرث الموجود و يستمر بعد ذلك العمل بالشركة لأن ما تقوم به من دور-او فلنقل ما يجب ان تقوم به من دور حسب ما ورد في قانون انشاءها الذي الغاه الوزير من الرقابة على الاداء الفني للشركات و تمثيل جانب الدولة و تحصيل العوائد و مراقبة تطبيق الاشتراطات البيئية و الادوار المجتمعية من جانب الشركات المنتجة ، هذا الدور المهم و الحيوي لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تقوم به هيئة “للابحاث” الجيولوجية ، و هو ما تم الاقرار في العهد الجديد حسب قرارات السيد الوزير السابق.. ويا للاسف !
وصير لهيئة بحثية ان تكون مسؤولة عن عمل رقابي و ميداني ، ضاربا سيادة الوزير بعرض حائط اللامبالاة كل منطق التخصصية .
و اغلب الظن ان القرار جاء استجابة عمياء منه لمطالبات نفر ممن توقف تفكيرهم في محطة ما قبل الانقاذ ، ولكن هل يعلم السادة هؤلاء كيف واين كان قطاع التعدين قبل ٨٩ واين هو الان ؟ لا بانجاز من حكومات البشير بطبيعة الحال ولكن بأمر واقع الاشياء و ديناميات التطور.
كم كان عدد الشركات العاملة بالمجال و كمية الانتاج بالاطنان ما قبل انشاء الشركة السودانية ، في مقابل حجم الانتاج الآن ؟
و ما هو شكل الرقابة التي كانت تمارسها الهيئة في بدايات عصر توجه الدولة نحو التعدين ما بعد انفصال الجنوب ، و ما هو شكلها تحت ادارة الشركة ؟
و على اي أساس علمي او بناءا على اي تجربة إقليمية او عالمية يبنون تصورهم بأن هيئة الأبحاث الجيولوجية هي المناط بها أن تمسك بملف إدارة ورقابة أعمال التعدين ؟
هل تدير ملف التعدين في أمريكا هيئة المساحة الجيولوجية ؟ ففي مصر تدير القطاع المماثل هيئة يإسم الثروة المعدنية ؛ و مثيلتها في الاسم لدى جنوب افريقيا
اذن لماذا يريدون ان يحدث ذلك في السودان ؟
هل هي نوستالجيا لكل ماكان قبل الإنقاذ لمجرد انه كان كذلك، هكذا دونما مراعاة لامر المصلحة العامة و ما تقتضيه الحوجة!
فنحن لا نريد في اعقاب هذه الثورة العظيمة ؛ ان نهدر وقتا و جهدا في اعادة اكتشاف العجلة يا سادة ولا ان نفقد مصدرا للمال الاجنبي و نحن في مسيس احتياج لكل سنت منه.
ختاما ينبغي استصحاب كل الاراء و الخبرات في كل امر و قرار يتخذ وتحديدا في هذا القطاع المهم و الذي بقليل من الجهد يمكن ان يكون دعامة قوية للاقتصاد المتهالك.
واول هذا الجهد ان يتم تحديد هيكلية الاجسام الحكومية التي تديره ووظائفها و اختصاصاتها بدقة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى