اعمدة ومقالات

عبدالله أبو علامة..  نهضتنا…وبقاء الاخرين…

مشاهدات من الرقراق

لاحظ الاستاذ حسين الوادعي أن المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري قد وقف طويلا عند مسألة شائكة في الفكر النهضوي العربي ، وتتلخص في أن المفكرين النهضويين المحدثين في العالم العربي ، يربطون ربطا ” حتميا ” بين : ( نهوض ) العرب ، و (سقوط ) الحضارة الغربية المهيمنة الان ! وهؤلاء الذين سماهم الدكتور الجابري ( المفكرين النهضويين العرب ) ، ثلاثة اقسام : الاسلاميون ، والليبراليون ، واليساريون . وعند الجابري ان لكل فئة من هؤلاء الثلاثة اسبابه الحتمية ، التي يرتئيها لسقوط الغرب ! فالاسلاميون ان سقوط الغرب ( الصليبي ) بسبب تراجعه الاخلاقي ، وبعده عن الدين ! والليبراليون يرون ان سقوط الغرب بسبب تنكره لقيم الحرية والرفاه ! واليساريون يرون أن سقوط الغرب بسبب تناقضاته الرأسمالية والطبقية ! وهذه الحيثيةالتي بنى عليها الاستاذ الوادعي مقاله ( نهضتنا وسقوط الغرب ) ، اتكاءعلى مقولات الدكتور الجابري ، لا تنهض على ساقين ! ذلك ان اللبيرالية أصلا فكرة غربية، أما وأبا ،فكيف يرى معتنقوها ان سقوط الغرب — لازم — لنهضتنا ! والامر ذاته ، حذوك القذة بالقذة ، ينطبق على قبائل اليسار ، شيوعيين واشتراكيين وقوميين ! لم يبق معنا من اقسام الدكتور الجابري للنهضويين العرب المحدثين ، الا من أسماهم — الاسلاميين — ! وهؤلاء قبائل شتى ، منهم المتعصبون ، أنه لا حياة للاسلام الا بعودة الخلافة الراشدة ! ومنهم المعتدلون ،الذين يرون ان في الحضارة الغربية خيرا كثيرا بجانب الضلال الكثير ، وان الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ! ويقيني ان الاستاذ الوادعي متكئا على مقولات الدكتور الجابري ، قد أهمل الشئ الأهم في هذه القضية ، وهو اسباب العداوة المستعرة بين(الحضارة الغربية ) و ( الحضارة العربية ) ! وقد تعرض لهذا الامر ” الخطير ” مفكر غربي قدير ، هو اليهودي النمساوي ليو بولد فايس ،الذي أسلم ، وتسمى : محمد أسد . وقد عرض لهذا الأمر في مقدمة كتابه ( الطريق الى مكة )، قال : لقد مال المفكرون والمؤرخون الاوربيون ، منذ عهود اليونان والرومان ، الى أن يتبصروا بتاريخ العالم من وجهة نظر التاريخ الاوروبي ، والتجارب الثقافية الاوروبية وحدها . أما المدنيات غير الغربية ، فلا يعرض لها ، الا من حيث أن لوجودها ، او لحركات خاصة فيها ، تأثيرا مباشرا في مصائر الانسان الغربي . وهكذا فان تاريخ العالم وثقافاته العديدة ، لا يعدو أن يكون في أعين الغربيين ، تاريخا موسعا للغرب . وطبعي ان النظر من هذه الزاوية الضيقة لابد أن يوقع العين على مشهد مشوه غير سليم. ان الرجل الاوروبي او الاميركي العام ، بما اعتاد ان يطالع من الكتب التي تعالج مسائل مدنيته الخاصة بتبسط وتوسع يضفيان عليها ألوانا حية ، دون أن تلقي على سائر اجزاء العالم سوى نظرات عابرة هنا وهناك — ليستسلم ويرضخ بسهولة ويسر الى الوهم الخادع الذي يصور أن الخبرات الثقافية الغربية ، ليست أسمى من سائر الخبرات الثقافية في العالم كله فحسب ، بل لا تتناسب معها اطلاقا ، وبالتالي فان طريقة الحياة الغربية هي النموذج الصحيح الوحيد ، الذي يمكن أن يتخذ مقياسا للحكم على سائر طرائق الحياة ، وأن كل مفهوم ثقافي ، او مؤسسة اجتماعية ، او تقويم أدبي ، يتعارض مع النموذج الغربي ، انما ينتمي حتما ، الى درجة من الوجود أدنى وأحط . ومن هنا نرى أن الغربي ، تمثلا باليونان والرومان ، يجب أن يعتقد بأن جميع تلك المدنيات الأخرى ، ليست ، او لم تكن ، الا تجارب متعثرة في طريق الرقي ، هذا الطريق الذي تتبعه الغرب بكثير من السداد والعصمة من الخطأ ، أو أنها ، في أفضل الأحوال — كما هي الحال في مسألة المدنيات السالفة ، التي سبقت مدنية الغرب الحديث مباشرة ، ليست اكثر من فصول متتابعة في كتاب وحيد فريد ، اخرها ، غير شك ، المدنية الغربية . ان الاستشراق اليوناني الروماني البدائي ، لم يعد فعالا في أيامنا هذه كما كان في الماضي ، ذلك بأنه قد أصبح أقل عنفا الى حد كبير ، لسبب ، قد لا يكون السبب الوحيد ، وهو أن المفكرين الغربيين الاكثر نضجا ، قد أخذتهم الريبة في كثير من نواحي مدنيتهم ذاتها ،وأنهم الان بسبيل التطلع نحو الايحاء الثقافي في أجزاء أخرى من العالم . ان بعضهم قد أخذ يفقه ، أنه قد لا يكون هناك كتاب واحد ، وقصة واحدة ، عن الرقي الانساني، بل عدة كتب وعدة قصص ، لا لشئ سوى أن الجنس البشري ، بالمعنى التاريخي ، ليس وحدة متجانسة الاجزاء ، بل مجموعات مختلفة تتباين مفاهيمها لمعنى الحياة وغايتها . ومع ذلك فاني لا أشعر أن الغرب قد اصبح فعلا اقل تكبرا من اليونانيين والرومانيين نحو الثقافات الأجنبية ، بل أكثر تساهلا فقط . وارجو أن ألفت الانتباه الى أنه لم يصبح أكثر تسامحا نحو الاسلام ، بل نحو ثقافات شرقية معينة اخرى ، تقدم نوعا من الجاذبية الروحية ، المتعطش اليها الغرب ، وفي الوقت نفسه ، بعيدة جدا عن النظرة الغربية العالمية ، بحيث لا تشكل أي خطر حقيقي على قيمها . ولكي نجد تفسيرا مقنعا لهذا التعصب ، علينا أن نعود الى التاريخ الماضي البعيد ، وأن نحاول تفهم الأساس السايكولوجي لأقدم العلاقات بين العالمين الغربي والاسلامي . ان ما يفكر الغربيون فيه ، ويشعرون به نحو الاسلام اليوم ، متأصل في انفعالات وتأثيرات ، انما ولدت في ابان الحروب الصليبية . وان هذا التأثير قد استمر بالفعل .انني أعرف أن هذا يبدو شيئا غريبا ، ولكن لنتذكر الريبة والشك اللذين قوبلت بهما اكتشافات علماء التحليل النفساني ، عندما حاولوا أن يظهروا جزءا كبيرا من الحياة العاطفية عند الانسان الناضج — وكذلك معظم تلك الميول والأذواق والأهواء المجحفة ، والتي تبدو وكأن لا تفسير لها — يمكن أن ترجع الى خبرات تمت له في بدء تكوينه ، في أيام طفولته المبكرة ! حسنا ، وهل الأمم والمدنيات سوى أفراد تؤلف المجموع ؟ ان نموها كذلك مرتبط بخبرات طفولتها المبكرة ، وهذه الخبرات، كما هي لدى الأطفال ، قد تكون سارة وقد تكون غير ذلك ، كما أنها قد تكون منطقية تماما ، وقد تكون غير ذلك ،بسبب التفكير الساذج الذي يعطيه الطفل لحادث ما . ان التأثير الذي يصوغ كل خبرة كهذه ، ليتوقف قبل كل شئ على قوته الأصلية ، والقرن الذي سبق الحروب الصليبية مباشرة ، أي نهاية حقبة الألف سنة الأولى من التاريخ المسيحي ، يمكن أن يوصف بالطفولة المبكرة للمدنية الغربية . لقد كان للحروب الصليبية التأثير الأقوى على مدنية بدأت تعي ذاتها ، فمن وجهة النظر التاريخية ، كانت هذه الحروب تمثل أول محاولة قامت بها اوروبا ، وكانت ناجحة تماما — في سبيل النظر الى نفسها على ضوء الوحدة الثقافية . وليس هناك من التجارب التي خبرتها اوروبا قبل الحروب الصليبية او بعدها ما يمكن أن يقارن بالحماسة التي خلقتها الحملة الصليبية الأولى، ذلك أن موجة من الافتتان والثمل اجتاحت القارة ، موجة من التيه والزهو تخطت لأول مرة الحواجز القائمة بين الولايات والقبائل والطبقات . أما قبل ذلك فقد كان هناك الفرنج والسكسون والجيرمان والبورغنديون والصقليون والنورمانديون واللومبارديون : خليط من القبائل والأجناس لا يكاد يجمع بينها شئ سوى أن ممالكها واماراتها الاقطاعية كانت من بقايا الامبراطورية الرومانية ، وأنها جميعا كانت تعتنق الدين المسيحي. ولكن في ابان الحروب الصليبية ، وعن طريقها ، رفعت الرابطة الدينية الى مقام جديد ، الى قضية مشتركة بين جميع الاوربيين على السواء — المفهوم السياسي والديني للعالم المسيحي — هذا المفهوم الذي خلق بدوره المفهوم الثقافي ل ” اوروبا ” . وعندما حض البابا أوريان الثاني ، في خطابه الشهير ، الذي ألقاه في كليرمون ، في شهر تشرين الثاني من عام 1095 ، المسيحيين على أن يشنوا الحرب ، على الجنس الشرير الذي كان يمتلك الأرض النقدسة، انما كان يعلن — وعلى الأرحج دون أن يدري — ميثاق المدنية الغربية .لقد أعطت تجربة الحروب الصليبية أوروبا وعيها الثقافي ، وكذلك وهبتها وحدتها . ولكن هذه التجربة نفسها كان مقضيا عليها منذ ذلك الحين فصاعدا ، بأن تهئ اللون المزيف ، الذي كان على الاسلام أن يبدو لأعين الغربيين به ، ليس فقط لأن الحروب الصليبية كانت تعني اراقة الدماء ، اذ ان كثيرا من الحروب قد أثيرت بين الأمم ثم تناستها فيما بعد ، وان كثيرا من العداوات والأحقاد قد انقلبت الى صداقات بعد أن ظن في حينها أنها غير قابلة للزوال . ولا شك في أن الأذى الذي جلبته الحروب الصليبيةلم يقتصر على اصطدام استعملت فيه الأسلحة ، بل كان ، أولا وقبل كل شئ ، أذى عقليا نتج عنه تسمم العقل الغربي ضد العالم الاسلامي ، عن طريق تفسير التعاليم والمثل العليا الاسلامية تفسيرا خاطئا متعمدا ، لأنه اذا كان للدعوة الى حملة صليبية ان تحتفظ بصحتها فقد كان من الواجب والضروري أن يوسم نبي المسلمين بعدو المسيح ، وأن يصور دينه بأكلح العبارات : كينبوع للفسق والفجور والانحراف عن الحق . وفي أيام الحروب الصليبية ذاتها تخللت العقل الاوروبي ، وبقيت فيه ، تلك الفكرة المضحكة القائلة بأن الاسلام انما كان دينا يدعو الى عبادة الشهوة ، والى القوة الوحشية ، دينا يدعو الى اقامة الشعائر الدينية بدلا من تطهير القلب . وفي ابان تلك الحروب ايضا حرف اسم النبي محمد ، محمد نفسه الذي ألح على أتباعه ان يحترموا سائر الأديان ، الى mahound — والتي تعني الكلب — ! احتقارا له وازدراء . وكان العصر الذي استطاع روح التقصي المستقل أن يرفع رأسه فيه بعيدا كل البعد عن اوروبا في ذلك الحين ، ولذا كان من السهل على القوى السائدة انذاك أن تزرع بذور الكراهية السوداء لدين ومدنية كانا يختلفان الى حد كبير عن دين الغرب ومدنيته . وهكذا لم يكن من قبيل الاتفاق أن ينظم نشيد رولاند الذي يصف انتصار المسيحية على المسلمين الوثنيين في فرنسا الجنوبية ، ليس في ابان تلك المعارك بل بعدها بثلاثة قرون ، يعني قبل الحملة الصليبية الأولى بقليل ، ليصبح فورا ضربا من ” النشيد الوطني ” لأوروبا . كذلك لم يكن من قبيل الاتفاق أن هذا الشعر الحربي الحماسي يسم بزوغ فجر الأدب الأوروبي ، تمييزا له من الاداب المحلية السابقة : لأن العداوة للاسلام انما صاحبت ظهور المدنية الأوروبية . وقد يبدو من سخرية التاريخ ان يظل هذا الحقد الغربي القديم ضد الاسلام قائما ، بطريقة لا شعورية ، في زمن خسر فيه الدين القسم الأكبر من تأثيره في مخيلة الانسان الغربي . بيد أن هذه الحقيقة لا تبعث على الدهش ، فنحن نعرف ان شخصا ما يمكنه أن يفقد بالكلية المعتقدات الدينية التي لقنها في طفولته ، ومع ذلك فان انفعالا معينا ذا صلة بتلك المعتقدات الدينية التي لقنها في طفولته ، ومع ذلك فان انفعالا معينا ذا صلة بتلك المعتقدات اصلا ، يستمر ، دونما وعي ، في حالة العمل ابان حياته فيما بعد . وهذا بالذات هو ما حدث لتلك الشخصية الجماعية : المدنية الغربية . ان خيال الحروب الصليبية لا يزال يرفرف فوق الغرب حتى يومنا هذا ، كما أن جميع اتجاهاتها وارجاعها نحو الاسلام ، والعالم الاسلامي ، لاتزال تحمل اثارا واضحة جلية من ذلك الشبح العنيد الخالد .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى