اعمدة ومقالات

آلاء خوجلي تكتب : وداعا أبي الفنان والإنسان 

بابا حبيبي.. وان كنت تمثل فقداً فأنت لم تمثل فقط فقداً لي بل فقد لحركة الثقافة والفنون كلها..
أبي الإنسان.. الفنان.. الصحفي.. المفكر.. الكاتب.. الناقد.. المربي.. الكريم.. المعطاء وكل العطاء يتمثل فيك.. لم تكن معطاء لنا فقط.. بل كنت معطاء لكل من عرفك.. لم تتلون.. ولم تتغير.. وحافظت على مبادئك التي آمنت بها.. هو ذاك الرجل الذي كان من مؤسسي حركة الثقافة والفنون والمسرح في المملكة العربية السعودية.. إستمدتها هي من أفكارك ورؤيتك وايمانك بفكرتك.. وحبك للفن.. الذي تلمسته كل ما أمسكت ريشتك لترسم لوحة.. وأنت تستمع لأم كلثوم وكان حينها صوتك وانت تدندن يتترجم في قلبي.. كنت أنبهر وانا أنظر إليك وانا لازلت طفلة في مرسمك الفوضوي.. كنت فارس أحلامي حينها.. ولازلت..

بابا حبيبي.. لم تكن مجرد أب بل كنت رمزا.. كنت فخرا لي ولكل من عرفك.. علمتني منذ الصغر حب الحياة.. التفاؤل ان القادم أجمل.. وأن المصائب كلها أقدار من الله وهي ابتلاءات يا ابنتي.. عندما اصررت أن احفظ القرآن كاملا منذ كنت في الخامسة من عمري وبفضلك ختمته حفظاً.. كنت تؤمن بأن تعش لدنياك كانك تعيش أبدا ان تعش لاخرتك كانك تموت غدا.. أسرفت في عطاءك لدرجة اكتفائي وحتى عطاءك العاطفي.. كنت دائما تنظر لنا بعين الفخر.. وكنا ننظر إليك بعين الإعجاب.. كيف ولا ؟ فكل سؤال لديك عنده جواب.. تاريخ.. ثقافة.. فلسفه.. فن.. سياسه.. دين.. لا أعلم هل أبكيك أنا.. أم افرح لأنك لم تمت بفضل ماصنعته طوال سنين حياتك المليئة بالإنجاز والعطاء.. فما زالت كتاباتك حية.. مازالت لوحاتك حية.. مازلنا نحن جزأً من انجازاتك على قيد الحياة لندعو لك.. لم تقسو علي بل وحنوت علي.. لا أدري كيف لا أبكيك وانت كنت صديقي الوحيد.. الايجابية كلها متمثلة فيك.. التشجيع.. والدعم.. انت باختصار كنت كل شيء.. أبي وحبيبي وصديقي واخي.. كلما خطرت لي فكره هرولت مسرعة لعرضها عليك فاجدك داعما بمزيد من الأفكار والاهتمام.. كلما قست علي الدنيا..اجدك بجواري.. هو وحده جوارك من كان يواسيني.. لم تكن مجرد أب بل كنت حبيبي قطعة من روحي..

بابا حبيبي.. تعلمت منك انه مهما كثرت المصائب أن نتحلى بالقوة.. ولكنك كنت مصدر قوتي قل لي هل ساتحلى بها بعدك؟
جلست بالأمس لاتحدث في مرسمك مع لوحاتك لكنها لم تجبني.. أخبرتهم انك رحلت وتركتنا سويا وأنني اعزيهم لأنك كنت من يهتم بهم وسوف أحل محلك فلتطمئنوا.. لستم وحدكم..

بابا حبيبي.. اتذكر كلما جئت إليكما راكضة انت وامي وانا احمل نتيجة المدرسة (نجاح.. تفوق.. الأولى على الفصل) كنت تقول(جدعة بنت ابوكي).. انا تاني منو يقول لي بنت ابوكي؟ وكلمتك التي تتردد على مسامعي (حبيبة بابا).. انت من علمني الثقة في النفس.. والتحلي بالقوة.. وان اكون صدر كل مجلس.. كما كنت انت.. انت وامي من شجعني في كل عمل تطوعي بل وتحمست معي لكل فكره.. كيف ولا وقد كنت معطاء لايرف لك جفن قبل أن تخلص كل حوجة لكل سائل..
سأفتقد حديثنا معاً الذي لم يكن أي حديث.. وسأفتقد جلوسنا سوياً ونحن نرسم في ذلك المرسم وقهوتك التركية التي لم أكن استسيغها.. وصوتك النشاذ الذي كلما كنت اسمعه وانت تغني اقول لك (الله يرضى عليك يابابا ام كلثوم لو سمعتك زمان كان جنت) وانت تضحك بأعلى صوت وتقول (وهي ام كلثوم لو سمعتك حتعمل ايه) سأفتقد صوتك في الهاتف وفي كل فجر (الاء قومي صلي) سأفتقد اتصالاتك (عملتي ايه في يومك احكيلي) وانا اسرد كل التفاصيل المملة.. (على فكرة كنت مستمع جيد) .. سأفتقدك لحظة مرضي (نفسك في ايه يا ماما) وانت تعلق كل لوحات ادعية المرض على الجدار خوفاً علي..

بابا حبيبي.. لم أكن وحيدة طوال حياتي لأنك كنت بجانبي تمثل لي ينبوع الحياة.. أنا الآن وحيدة رغم انك موجود ها هنا في قلبي وفكري وروحي وفي كل مكان في البيت أجد أثرك..لوحاتك.. تحفك.. كتبك.. ونحن…

بابا حبيبي.. للحديث بقية…….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى