اعمدة ومقالات

محمد صالح كبرو يكتب.. ترك وموسى 2

محمد صالح كبرو يكتب.. ترك وموسى 2

*الزعامات الأهلية :*

مفهوم الزعامة التقليدي يشكل عنصراً راسخاً في ثقافتنا، وهو تعبير متضخم عن الأبوية التي تشكل مسارات حياتنا الاجتماعية والسياسية، وتمددت من الأسرة إلى الدولة وكأنها تستعيد حرفياً وتطبيقياً نظرية التطور الأسُري الذي بموجبها تفسر نشأة الدولة لاسيما الدولة القديمة .

ان أبرز نتاجات الأبوية في السياسة هو مفهوم الزعامة التقليدية الذي يعبر عن تطورات سلطة الأب من الأسرة إلى القبيلة إلى الدولة، لقد كان صعود رؤساء القبائل الكبرى في التاريخ الى السلطة السياسية وتحولهم الى ملوك بعد اخضاع القبائل الأخرى يصعّد معه مفهوم الابوية السياسية، وينشأ معه نوع من الإستبداد، وبذلك فان الدولة الحديثة في محاولة تجاوزها الإستبداد كانت تسعى الى إزاحة العنصر المؤسس للإستبداد ومن ثم تمكين الديمقراطية من إدارة الدولة ومؤسساتها، ونتيجة ذلك فان إزاحة مفهوم الزعامة التقليدية الذي ينبني على نوع من الإمتيازات الموروثة والمخصوصة يكون لصالح مفهوم الإدارة الحديثة الذي تحول أو تنازل بموجبه الملك أو الزعيم التقليدي عن سلطته العليا لصالح سلطة الدستور التي صارت تمثل السلطة العليا في الدولة الحديثة وتحول بموجبه الرئيس الجمهوري الى كبير موظفي الدولة الحديثة .

كمثال للذي نعيشه في سودان ما بعد الاستقلال لا يختلف عن ما قبله ولا الذي نعيشه اليوم لا يختلف عن الأمس فنظام الدولة ظل حبيس اتجاه واحد نتج عنه تشوهات كبيرة اقعدت الدولة وحبيسة في أيدي شراكة بين العسكر والزعامات القبلية مع بعض أصحاب رؤوس الأموال، وتحولت دور الأحزاب السياسية إلى بيوتات قبلية لا تختلف عن أي قرية يحكم فيها العمدة بأمر الله وبأمر السلطان ..

بهذه التشوهات لم نصل مرحلة ان نكون دولة حديثة بل نعيش في دولة تشبه دويلات القبائل المتحالفة والمختلفة حول المصالح، ولم يكن هذا الخطأ نتاج الزعامات التقليدية فقط لكن هو سستم الدولة الذي ورثناه ولم نتجرأ في يوم ان نرفع أعيننا ونتحدث إليه او نحاول نصحح الاختلال لخضوعنا لتلك السلطة الأبوية والتنشأة الصارمة او التخوف من الخروج عن القطيع او الطرد ليتم افتراسك من ذئاب هذه الغابة التي نعيش فيها ..

نجحت الزعامات التقليدية او الأهلية في إدارة الأزمات وخصوصاً الكوراث وحروب ما بعد المجاعة ونقص الموارد وضمنت لمجتعاتها استمرارية الحياة في وسط تحديات “طبيعية وغير طبيعية” وتجاهل تام من الحكومات .. فوجد هذا قبول كبير عند هذه المجتمعات التي لا تعرف دولة خارج اطار القبيلة وحاكم غير زعيمها الذي يروا فيه المُخلص والمدافع عنهم والمُضحي من أجلهم، فعندهم لا كلمة فوق كلمته ولا طاعة لغيره ..

هذا القبول دفع ببعض الزعامات الأهلية لتوظيفه لتحقيق طموح شخصي والضغط بهذا الكرت على سلطة الدولة التي لم تسعى لتقديم شئ للمجتعمات “عن قصد” حتى تجعل منهم قطيع لا يكلف جمعهم وتأييدهم لها سوى كسب زعيمهم ومعرفة نقاط ضعفه وغروره وتحقيق ما يطلب ..

في حالة الناظر تِرِك والزعيم موسى هلال الذان لمع نجمهما في النظام السابق، كانا هما أصحاب الثقل الكبير في الشرق والغرب فالنظام كان يحتاجهما “ومن خلفهما المجتمعات” اكثر من حوجتهما للحكومة القائمة، لذا كانا يصعب التحكم عليهما للطموح الذي يدفعهما للضغط المستمر على الحكومة بإسم تلك المجتمعات التي لم تكسب من التأييد “مدفوع الأجر” مشفى علاجي ولا بئر ماء ولا طريق ..

#نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى