اعمدة ومقالات

صديق محمد عثمان يكتب :ويستمنستر او ديمقراطية بيع ريش الديك

 في العام ١٩٩٢ تهاوت سلطة حزب المحافظين وسقطت المراة الحديدية واضطر الحزب الى التوسل برجل من الطبقة العاملة وسكان جنوب لندن القريب حيث يقطن المهاجرون السود الفقراء في ازقة وحواري بيكهام وكامبرويل وبريكستون وكلابهام التي تنتشر في شوارعها التجارية دكاكين المحامين الجناييين معلقة فوق واجهاتها لافتات بارزة ( criminal lawyers 24/7 ) فلكل مجتمع تجارته الرابحة ومقدراته الشرائية وهذه مجتمعات لا تملك سوى اقتطاع لحم بطونها لشراء الكفالة المالية لشبابها الذين يقودهم الاحباط الى محاولات مكافحة عنف الدولة بمظاهر تمرد ساذجة لا تفعل سوى منح الدولة مزيدا من التبريرات لترخي كلكلها الثقيل فوق اكتافهم وتطرحهم ارضا وتجثم بكلتا ركبتيها فوق حناجرهم التي تصدر صفير الحياة ( I can’t breath).

‎- ولكن جون ميجور ما كان لينقذ حزب الاقطاع من الخراب الشديد الذي احدثته ماغي تاتشر بضربها اتحادات العمال وبيعها مساكن البلديات لبارونات اقطاع الاراضي تحت دعاوى نصرة المستضعفين ومحاولة رشوة ناخبي حزب العمال وهي سياسات يمكن تشبيهها ببيع ريش الديك بعشرة قروش لصاحب الديك الذي باعه لك بقرش واحد.

‎- لكن فترة رياسة جون ميجور كانت كافية لتلتفت موسسات الدولة العميقة الى الاطاحة بمرشح حزب العمال الاسكتلندي الراديكالي غوردون براون وتحل مكانه بمحامي شاب انتهازي اسمه توني بلير لتضمن تداول السلطة من يدها اليمنى الى يدها اليسرى وتتباهى امام العالم بديمقراطية ويستمنستر ( الديمقراطية تمثل حتى الان افضل ما توصل اليه العقل البشري ) فقد توقف هذا العقل البشري وتجمد عند لحظة ميلاد الديمقراطية الويستمنسترية

‎- لاحقا سيقود توني بلير بلاده الى احتلال العراق وافغانستان ويستخدم ما يسمى بالمؤسسات الدولية استخدام مناديل الورق يفعل كل ذلك وحزبه حزب العمال يقود المسيرات المناهضة للحرب بقيادة القيادي الابرز حينها توني بن وعمدة مدينة لندن العمالي كين ليفغنستون او كين الاحمر كما تدعوه الاستابلشمنت.

‎١٣٩ نائبا من حزب توني بلير صوتوا ضد قرار الحرب على العراق ولكن رجلا واحدا هو العراف اليستير كامبل وصفته الرسمية حينها ( مستشار رئيس الوزراء ) كان لا يابه بما يدور في مجلس الغوغاء والرجرجرة والدهماء واسمه الرسمي ( مجلس العموم) فكان مشغولا بطباخة ملف الاسلحة الكيميائية العراقية الذي استشهد به الجنرال كولن باول امام الامم المتحدة .

‎- وحكم توني بلير بلاده ١٩٩٧-٢٠١٠ باغلبية عمالية معارضة واقلية من حزب المحافظين المعارض حاكمة. واصبح لرئيس الوزراء حزب داخل حزبه يطلق عليهم البليريون) ( Blairites) بينهم ابن القايد العمالي العظيم توني بن ( هيلاري بن) و ديفيد ميليباند ابن الماركسي العريق واحد اهم مفكري الفكر الماركسي البريطاني خلال القرن السابق رالف ميليباند فالنار تلد الرماد. وفي مقابلة اغلبية حزب العمال التي يقف على راسها رجال راسخون كتوني بن وكين ليفغنستون وجيرمي كوربن، كانت تقف حكومة توني بلير التي يقودها العراف اليستير كامبل ويقف على راسها المثلي الملياردير اللورد ماندلسون نائبا لرئيس الوزراء.

– عندما بدا ان توني بلير يسعى بشدة لاجتياح العراق تقدم ٢٧٩ نائبا بمجلس العموم باقتراح مضاد ضد المقترح الذي كانت حكومة توني بلير تحاول تمريره بالبرلمان لمنحها التفويض لاعلان الحرب ، ١٣٩ نائبا من هولاء كانوا من حزب العمال الحاكم الذي كان يملك اغلبية مطلقة تبلغ ٤١٣ نائبا من مجموع ٦٥٩ هم عضوية مجلس العموم. لكن تحالف نواب حزب المحافظين المعارض مع رييس الوزراء هزم تمرد نواب حزب العمال على رئيسهم واجاز مقترح الحكومة باغلبية بلغت ٤١٤ نائبا بمعنى ان حزب المحافظين المعارض عوض رييس الوزراء ما فقده من اصوات نواب حزبه.

– ليس ذلك فحسب فان عدد النواب المتمردين في حزب العمال سرعان ما تناقص من ١٣٩ في المرحلة الاولى الى ٨٨ نائبا خلال مراحل الحرب الاولى رغم المعارضة الشديدة في الشارع حتى استقر الامر لاحقا على ٤٤ نائبا ظلوا ثابتين على معارضتهم المطلقة لحرب العراق يسعون بكل جهد لمساءلة توني بلير، ولا يوجد اليوم من هولاء النواب المتمردين سوى ١١ نائبا لمجلس العموم بينما فقد الاخرون مقاعدهم النيابية خلال دورات الانتخابات التي اعقبت هذا التمرد الشهير.

– كانت سياسات مارغريت تاتشر الداخلية بشان الرعاية الاجتماعية والتي تم الترويج لها على انها اشتراكية افضل من سياسات حزب العمال والتي تظاهرت بمنح سكان المساكن البلدية الفقراء حق شراء المساكن من الحكومة، كانت في حقيقتها تمكين الاقطاع من الاستيلاء على هذه المساكن التي بنتها حكومات عمالية سابقة او حكومات محافظة متاثرة بضغط الاشتراكية خلال عقود الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فكانت النتيجة هي ان آلت مباني المساكن البلدية الى شركات ورجال اعمال موالون لحزب المحافظين اصبحوا بعد ذلك يعيدون ايجار ذات المساكن للبلديات التي اشتروها منها ولكن باضعاف الثمن.

– وعندما تكشفت اثار هذه السياسات في الارتفاع المضاعف لاسعار العقارات خلال عقد الثمانينات والكساد الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة في اسكتلندا، ادركت نخب حزب المحافظين ان الغضب الشعبي سرعان ما سيعبر عن نفسه في صناديق الاقتراع لذلك سارعت الى تنصيب جون ميجور وهو من بين القلايل من قيادات الحزب الذين ياكلون الطعام ويمشون في الاسواق، ولم تكتفي بذلك بل ذهبت ترتب بيت الحزب الاخر على النحو الذي اطاح بغوردون براون اقوى المرشحين حينها لزعامة الحزب ونصب مكانه توني بلير .
– تبلور الغضب الشعبي فعلا في صناديق الاقتراع في الانتخابات النيابية التي جرت في العام ١٩٩٧ حيث نال حزب العمال اغلبية ٤١٨ من اصل ٦٥٩ مقعد بالبرلمان، لكن كما شاهدنا في مثال قرار حرب العراق فان الاغلبية البرلمانية لم تكن تعبر عن الغضب الجماهيري وذلك لسبب بسيط وهو ان موسسات السياسة الرسمية قد تم تصميمها بالاساس لامتصاص غضب الشارع وليس للتعبير عنه وكل ما تفعله هذه الموسسات هو تغيير جلدها وتنويع انماط ومسميات السياسات ومنحها مواصفات وهمية ريثما تظهر نتايجها ويثور الغضب الشعبي من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى