اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة..أدب الاستقالة

 مشاهدات من الرقراق

من وقفات الاستاذ مالك بن نبي الذكية ، تمعنه في حال شباب المغرب العربي الذين هاجروا الى فرنسا ، لطلب العلم . فقد شغلتهم لألاء الاضواء في شارع الشانزلزيه، عن النفاذ الى لباب الحضارة الغربية ، فمثلا هذه الفتاة التي طلت اظافرها ، وزججت حواجبها ، ووضعت الاحمر على شفتيها ، لوت رقابهم بعيدا عن المرأة الفلاحة في ضواحي باريس ، التي، التي تقدم حزمة البرسيم لتطعم أرانبها ، وهذه لا تلك التي تمثل روح الثقافة الفرنسية . وكم يغفل شبابنا المهاجرون الى الغرب ، حين يغفلون عن روح الثقافة الغربية ، ويأتوننا بقشورها ، مع كل الأسف . وما ادق تصوير نزار قباني لهذه الاحوال يوم قال : مأساتنا توجز في عبارة… لقد لبسنا قشرة الحضارة…. والروح جاهلية…. والشئ بالشئ يذكر ، فبمناسبة استقالة الحكومة الانتقالية ، نعرض لنموذج باذخ من نماذج الاستقالة في العالم الغربي . تلك استقالة الجنرال شارل ديغول ، رئيس الجمهورية الفرنسية . ففي منتصف ستينات القرن الميلادي الماضي ، اندلعت مظاهرات طلابية عارمة ، بدأت في باريس ، ثم توسعت فشملت كل المدن الفرنسية. وكان السبب المعلن : غلاء المعيشة . ولم تقصر وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في نقل تلك الاحتجاجات الى العالم الخارجي . وببراغماتية الغربيين المعروفة ، اتخذت خطوتان لاحتواء الأزمة : الاولى استقالة حكومة كوف دي مورفيل ، رئيس الوزراء ، والثانية طرح برنامج اصلاح اقتصادي للاستفتاء الشعبي. وكان الجنرال ديغول قد اشترط نسبة معينة للتأكد من رضاء الجماهير عن الاصلاحات الاقتصادية الصارمة ، وليس مجرد نسبة الترجيح العادي. وجرى الاستفتاء في جو من الهدوء والرصانة ، ولكنه لم يحرز النسبة التي اشترطها الجنرال ، فما كان منه الا ان استقال لا يلوي على شئ. وصدمت فرنسا كلها ، ولكن صدمة اعضاء الحزب الديغولي كانت اكبر . غادر الجنرال بعد الاستقالة قصر الاليزيه ، وأوى الى منزله الريفي في ضواحي باريس . وتشكل وفد من حزب الديغوليين برئاسة جورج بومبيدو ، وسعوا الى الجنرال في منزله الريفي ، ليثنوه عن قرار الاستقالة . ولما جلسوا بين يديه في ليل ذلك الريف الحالم ، خاطبه بومبيدو : هؤلاء ابناؤك سيدي الجنرال ، جاءوك يرجون ان تتراجع عن قرار الاستقالة . فقال الجنرال في قوة وحسم : ان ديغول لا يتراجع عن كلمته . فقال بومبيدو في رجاء وامل : ان فرنسا في حاجة اليك سيدي الجنرال . فقال ديغول وهو يبتسم في اقتضاب : ان مقابر فرنسا مليئة بالأذكياء من الرجال والنساء الذين تحتاجهم فرنسا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى