الاقتصاد

محمد أبشر : المدفوعات الرقمية و تحديات البنوك السودانية

لا شك إنضمام السودن الي تحالف أفضل من النقد Better Than Cash Alliance يمثل خطوة جيدة وتماشيا مع أدبيات التنمية المستدامة في شكلها الحديث المستند الي أهداف التنمية الألفية والتي أقرت ضرورة الإهتمام بالشمول المالي تحقيقاً لوصول الخدمات المالية للجميع والمدفوعات الرقمية أثبتت التجارب الدولية في بلدان مثل الهند والبرازيل وكينيا وتنزانيا وغيرها من الدول أن من اهم فوائدها هي خفض التكاليف والشفافية وسهولة المتابعة ومحاربة الفساد والرشاوي وتمكين المرأة وزيادة الايرادات الحكومية ومعرفة حجم الاقتصاد غير الرسمي لتتبعة وتحجيمة وكل ذلك بطبيعة الحال يقود الي زيادة الادخار التراكمي وحشد الموارد لمحاربة الفقر وتعزيز النمو الاقتصادي بشكل أشمل وأكثر عدالة.

ويتضح بشكل واضح أن السيد وزير المالية السوداني دكتور البدوي مهتم بهذا الامر من واقع خبراته كرجل إقتصاد أممي، ولكن في تقديري أن واقع البيئة الداخلية المنوط بها التحول من التعامل النقدي الي وسائل التعامل غير النقدي او حتي تقليلة ليس بهذه المثالية؟
بل أن البيئة الداخلية متواضعة وأكثر هشاشة من كل النواحي والإرتباطات وتحتاج الي جهد ضخم وأثبتت ذلك تجربة أزمة الكاش في البنوك التي تفاقمت في العام2018 حيث كشفت ان البنية التحتية للتعامل بوسائل الدفع الإلكتروني ضعيفة جدا فيما يخص تفعيل وسائل المدفوعات الرقمية digital payments وذلك له أسباب فنية أهمها ضعف الاهتمام بتطوير تقنية المعلومات في الجهاز المصرفي واذا نظرنا لحجم المبالغ المرصودة للتطوير التقني في كل ميزانيات البنوك نجدها متواضعة جدا وأن بنك السودان المركزي يكتفي بالتوجيه بالتحديث والتطوير للأنظمة دون إشتراطات صارمة، بينما تلزم بنوك مركزية في المنطقة البنوك العاملة في بلدانها بمحددات مشددة للانظمة المصرفية، وكذلك ضعف صناعة التكنولوجيا المالية Fintech في السودان مقارنة بدول الاقليم كما نجد ان غالبية البنوك السودانية لا تحدث بيانات حتي مواقعها الإلكترونية بإستمرار والتي تعتبر منصات توعية للعملاء لا سيما البنوك الوطنية أقل مواكبه للتطور في هذا المجال وتحدياتة علي مستوي الإقليم وما وصل اليه العالم .

هذه التحديات في تقديري متشابكة ولها إرتباطات عدة منها ما له علاقة بالمقاطعة الدولية، وتخصيص الموارد والثقافة المجتمعية وغيرها.
وأسباب تتعلق بالاشراف من البنك المركزي مثالا لذلك السماح للبنوك بتمركز ماكينات الصراف الآلي في المناطق المركزية( وسط الخرطوم) دون تدخلات قوية تمنع ذلك مع ان الأمر ذو إرتباط بالشمول المالي وبث ثقافة الصيرفة الإلكترونية ؟
حيث تجد امام أحد رئاسات البنوك الشهيرة عدد أكثر من 10 ماكينات صراف آلي بينما تجد مدينة بأكملها في السودان لا توجد بها هذا العدد؟ ووفقاً لتقرير البنك المركزي السنوي للعام 2018 بلغ عدد الصرافات في كل السودان حوالي 1600 ماكينة-صراف-آلي بواقع اقل من 42 صراف آلي لكل بنك وعدد نقاط البيع حوالي 17 الف اي بواقع اقل من 450 ماكينة نقاط بيع لكل بنك وهذه الأرقام المتواضعة جدا رغم إختلالات تمركزها الخرطومي لا تتناسب مع عدد إجمالي البنوك العاملةعدد 38 بنك والتي تقدم خدماتها عبر 801 فرع في كل السودان بحيث تتمركز ايضا كثافة انتشار الفروع بنسبة حوالي40% تقريبا في العاصمة الخرطوم؟ بينما البنوك التي تمتلك موبايل بنكي او تطبيقات فعالة لا تتجاوز نسبة النصف تقريباً من جملة البنوك العاملة في السودان وذلك بالرغم من أن تجربة بنك الخرطوم كبنك رائد في التقنية المصرفية في تطبيق بنكك أثبتت الارقام أن عدد جمهور المتعاملين مع البنك حدثت له زيادة كبيرة جدا وأصبح التطبيق الرائد لمستخدمي الدفع الرقمي سوا للتحويلات الداخلية او سداد الرسوم والفواتير المختلفة عبر الحساب البنكي دون الحاجة لاستخدام الكاش، ومع ذلك ظل تأثر البنك ايام مشكلة شبه إنعدام الكاش كبيراً مما يدلل علي أن الفجوة بين الطلب والعرض كبيرة جدا .

أيضا هناك أسباب تتعلق بالثقافة السودانية في التعامل الرقمي وحساسية ذلك
( ونظرية الكاش يقلل النقاش ) وكذلك التشريعات الحكومية التي لم تزل تسمح لعدد كبير من المتعاملين مع جهات حكومية وغيرها بالتعامل بالكاش وذلك بالرغم من ان الحكومة تعد المتضرر الأكبر لأن التعامل الرقمي في عمليات الدفع من أهم مزاياة تقليل النفقات وكذلك سهولة المتابعة والرصد وتقليل حجم الفساد والرشوة وزيادة الايرادات.
لذا أعتقد ان نقطة الانطلاق يجب ان تبدأ من هذه الجزئية بحيث تعمل الحكومة علي تصنيف إحصائية دقيقة لكل الجهات التي يمكن أن تكون مدفوعاتها رقمية كمرحلة أولى وتجريم تعاملات الكاش فيها بالقانون مع مراعاة إعتماد ان خدمة الدفع الإلكتروني متاحة دون اي إشكاليات للمتعاملين ومنها علي سبيل كل المرتبات والمستشفيات وإستحقاقات الضمان الاجتماعي والإعانات وعمليات البيع والشراء للعقارات والسيارات … الخ

كذلك يجب أن لا ينحصر الإنضمام من التحالف الذي يضم 75 دولة حول العالم هو تنفيذ برنامج الدعم النقدي المباشر للفقراء، وأن يكون جزء من خطة إستراتيجية طويلة المدي تستهدف شمول مالي تكون منصة انطلاقها الأساسية هو الجهاز المصرفي السوداني بالتوافق مع شركات الاتصالات وأتحاد المصارف السودانية والجهات ذات الصلة لتطوير التكنولوجيا المالية والتقنية المصرفية و إستهدافاً لتقليل الكاش في التعاملات الممكنة في المدي القصير بإستهداف قطاعات يسهل التحكم فيها مذكَورة أعلاة.
والمدي المتوسط بإدخال الدفع الإلكتروني وطلبات التمويل ودفع الأقساط لجهات مثل المزارعين والمنتجين والتعامل مع الشركات والمصانع.. الخ.
والوصول في المدى الاستراتيجي للتعامل عبر digital payments المدفوعات الرقمية .

كما يتحتم علي البنوك ان لا تنتظر وأن تأخذ المبادرة مأخد الجد لأن التطور الكبير في شركات الاتصالات والتي تمتلك قاعدة عملاء بالملايين جعل دول مثل إثيوبيا بالسماح لها قانوناً بتقديم خدمات مصرفية عبر الهاتف المحمول كتحويل الأموال داخليا وخارجياً والتأمين وعدد من الخدمات الاخري التي تعتبر من صميم عمل البنوك.
وهذه بمثابة تحديات للبنوك في حال عجزت عن مواكبة التطورات العالمية في المعاملات الفورية عبر الإنترنت والهاتف وغيرها ويجب عليها الإستفادة من هذا السوق من خلال التوصل لربط تقني يمكن البنوك من الوصول للملايين الذي يمتلكون هواتف ذكية .

أيضاً من ألاهمية الإستفادة من البنوك المتخصصة ذات الإنتشار الاوسع في الريف السوداني والتعامل الكثيف مع فئات مثل المزارعين ومنتجي الثروة الحيوانية والمتعاملين في سوق التمويل الاصغر وذلك لكثافة طبيعة المعاملات وكثافة وجود تمويل المرأة فيها كجند مهم لتحقيق التنمية المستدامة .
علي سبيل المثال نجد أن أحد أهم البنوك المتخصصة يدفع للمزارعين مبالغ في شراء محاصيل تزيد قيمتها اضعاف عن إجمالي ودائع الجمهور لديه؟ وهذه توضح أن تثقيف العملاء لدي البنوك هذه مهمة و يجب أن تبدأ من سلسة عمليات أهمها تصنيف العملاء ودراسة حاجياتهم للكاش ونمط سلوكياتهم وتصميم برنامج متكامل يكن قادر علي تغيير نمط تفكيرهم وتحفيزهم مادياً للتعامل بالهاتف البنكي وغيرها من طرق الدفع الرقمي لأن هذه الموارد يمكن الاستفادة منها في عمليات تمويل وإستثمارات أخري بهدف زيادة الإنتاجية وتعزيز ديناميكية النمو الاقتصادي .

محمد أبشر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى